في عقب هزيمة النظام الرسمي السوري في حرب حزيران/ يونيو 1967، وانقطاع الجولان عن عمقه وامتداده الجغرافي والسياسي والثقافي والاجتماعي، شكلت الوطنية السورية حالة عاطفية نضالية أخلاقية، تتغذى على الشعور والتاريخ والذاكرة المشتركة للمجتمع الجولاني، وترعرعت عبر أكثر من نصف قرن من الزمان، في ظل خطر وجودي، تمثل في محاولات طمس الهوية السورية أرضًا وشعبًا، واستبدال هوية محتل إسرائيلي بها، حاول استئصالهم واقتلاعهم من أرضهم، والسيطرة والاستحواذ على كل شيء، بمنطق القوة، والتفوق العنصري، والادعاء التاريخي والديني، بشرعية الوجود، ككيان استيطاني استعماري، يحمل جذور مملكة إسرائيل القديمة التوراتية التي امتدت بحسب خطابه، من النيل إلى الفرات. وتتجسد اليوم في صورة إسرائيل المعاصرة التي تعد الجولان السوري المحتل، جزءًا من كيانها وسيادتها، لا يمكن التنازل عنه.

منذ عشرات آلاف السنين، وقبل وجود المملكة الإسرائيلية المزعومة، استوطنت الجولان جماعات وقبائل وحضارات بشرية تعاقبت على العيش فيه، وتركت وراءها موروثات ثقافية وعمرانية ومعابد دينية وقلاعًا عدة، تُدلل على مراحل كبيرة من الازدهار والتقدم والتطور البشري على مختلف الصعد، حيث تعد أطلالها وآثارها المنتشرة في أكثر من مئتي قرية وموقع داخل الجولان، شاهدة على مساهمة هذه المنطقة في تطور الحضارة البشرية. حاولت إسرائيل جرفها وطمسها لتثبيت يهودية المنطقة التي حُظيت باهتمام الحثيين والمصريين القدماء الذين قدسوا جبل حرمون، وأقاموا فيه المعابد الدينية التي تعكس مضامين ثقافية وفلسفية وفكرية، تتناقض جميعها مع ما يروجه الخطاب الصهيوني من ادعاءات تاريخية وأساطير وروايات لا تمتّ إلى الحقائق والوقائع بصلة.

لم يخرج الجولان يومًا من عمق النزاعات والصراعات الكثيرة التي عاشتها سورية والمنطقة عمومًا، وتعرضت هويته الثقافية أسوة بالشعوب والقبائل التي سكنت فيه إلى الطمس والتغيب، لأهميته الجغرافية والطبيعية، وغناه بالثروات الطبيعية من مياه وأراض خصبة، وتلال وجبال استراتيجية، وبقيت كثير من الآثار القديمة باقية حتى وقت قريب، إذ أضحى بعد احتلاله في حزيران/ يونيو عام 1967، في مواجهة وصدام مباشر مع مشروع استيطاني صهيوني، قائم على الاقتلاع ومحو التاريخ والذاكرة وتزويرها، من خلال تغيير طابعه وهويته وثقافته العريقة، وخلق ذاكرة ثقافية جديدة، وفق منطق أن الماضي والتاريخ هو السلطة الشرعية التي تسوّغ الحاضر والمستقبل، وعلى إسرائيل أن تخلق هذا الماضي من موروث المنطقة التي تسيطر عليها بعد تصنيفه، ونسبه إلى أيديولوجية قومية صهيونية، تتناسب مع الواقع لتسويغ الوجود غير الشرعي، لكيان لم يتجاوز عمره الزمني سبعين عامًا، بعد تهجير الفلسطينيين من ديارهم ووطنهم، وسيطرته عليها باعتراف العالم الخارجي. واحتلال أراض عربية أخرى، نالت مؤخرًا اعترافًا أميركيًا بالسيادة الإسرائيلية عليها.

الجولان ظاهرة خطابية استهلاكية وبرامج فعلية إسرائيلية

مع الوقت اعتاد الجولانيون التعامل مع الاحتلال الإسرائيلي، في ظل إغفال متعمد لمقومات صمودهم، واحتياجاتهم الثقافية والمعيشية والاجتماعية والتربوية من قبل النظام الرسمي الذي غاب عنهم تمامًا بعد ” الحرب التي انتصر فيها عام 1973بحسب إعلامه، واستعاد بموجبها 50 كلم من الأرض المحتلة بموجب اتفاقية وقف إطلاق النار المعروفة باتفاق كسينجر-الأسد عام 1974. فيما بقي 1200 كلم تحت الاحتلال. خضعت -وما زالت- لسياسة تهويد وأسرلة رسمية، وتجسد ذلك في إقامة 34 مستوطنة، ومئات المعامل والمصانع والمزارع والبساتين ومشروعات ومنشآت صناعية ضخمة، ومئات الآبار الارتوازية التي تدر أرباحًا هائلة على الاقتصاد الإسرائيلي، نُقدر بمليارات الدولارات، إضافة إلى تمتع ربع مليون إسرائيلي بحياة ريفية رغيدة، في ظل هدوء أمني وأمان شخصي، لم تحظَ به أي منطقة يعيش فيها الإسرائيليون، وفي المقابل كان على السكان المدنيين المتبقين في أرضهم، أن ينتصروا لأنفسهم، ويؤسسوا مقومات جديدة، ترسخ صمودهم وتعزز بقاءهم، وتحافظ على هويتهم التي رفضوا المساومة عليها مهما اشتدت أوضاعهم القاهرة، وفاءً لتاريخهم الوطني فوق ثرى هذه الأرض الطيبة التي تحتضن ماضيهم وحاضرهم، وعليها يخططون لمستقبلهم وأجيال من بعدهم، بوصفهم مُلاكًا شرعيين لهذه الأرض، ولتحقيق سعيهم، كان لا بد من دفع استحقاقات وطنية ونضاليه، يقدمونها معتمدين على أنفسهم، لحماية ما يملكونه من إرث وتراث وتاريخ وثقافة، مجبولة بالدم والتضحيات، سلطات الاحتلال الإسرائيلي رأت فيهم قوى عاملة رخيصة لبناء المستوطنات والمنشآت والبساتين والحقول الإسرائيلية، والسلطة السورية الحاكمة، رأت فيهم مجموعات صغيرة متمردة، تعيش في أربع قرى طائفية، متحالفة مع إسرائيل، أحرجت النظام حين افتضحت أكذوبة تحرير الجولان التي يحتفل النظام بانتصاره فيها، حين أعلنت رفضها الشعبي لقرار إسرائيل بضم الجولان، واستبدال هوية إسرائيلية بالهوية السورية، ومواجهة هذا القرار بالوسائل المتاحة كلها، قبل أن يعلن هذا النظام عن رفضه وشجبه للقرار، شعارًا وخطابًا إعلاميًا استهلاكيًا في المؤسسات الدولية، والمنابر الإعلامية، التي لم تأتِ بفائدة واحدة على السكان المنتفضين على الإطلاق، ولم توفر سلة غذائية واحدة، أو تلبي حاجة واحدة للسكان المحاصرين عسكريًا خلال إضرابهم التاريخي الذي امتد ستة أشهر متواصلة، وتجاهل وجود مئات آلاف من السوريين المهجرين الذين يعيشون في تجمعات النزوح البائسة في محيط العاصمة دمشق، إلا أنه استغل انتفاضة الجولانيين، بإحكام قبضته الأمنية على الشعب السوري، وقمع الأصوات الحرة والشريفة، بحكم أن قضية الجولان المحتل، تتطلب منه بوصفهم جسمًا مقاومًا لإسرائيل تأجيل طرح أي قضايا تتعلق بالحريات والحقوق المدنية للسوريين، حتى انتهاء الصراع مع إسرائيل. وتحقيق التوزان الاستراتيجي.

في المقابل لم تتوقف إسرائيل منذ احتلالها الجولان عن عدّه منطقة إسرائيلية، فطردت أغلب سكانه السوريين الذين عدّتهم فائضًا سكانيًا، يُعوق مشروع الاستيطان، واستغلت تشبث مجموعة من السكان بأرضهم، وطرحت مشروعًا لإقامة كيان طائفي ضيق يخدم الأجندة الإسرائيلية، ما عرف لاحقًا بمشروع الدويلة الدرزية التي رفض السكان السوريين بقوة الانخراط أو المساهمة في إقامتها، بالتنسيق مع شخصيات لبنانية وسورية، كانوا مرشحين إسرائيليين ليشكلوا إحدى دعائمها سياسيًا، وبعد فشلها في أوائل سنوات السبعينيات بدأت إسرائيل بضم الجولان فعليًا، عبر تهويد الأرض، فغيرت خريطة الحدود الانتدابية، وضمت مناطق حيوية من الجولان في شمال سهل الحولة، وشمال الجليل حتى الحدود اللبنانية، وجزءًا من مناطق في سهل البطيحة شمال بحيرة طبريا وجنوبها التي عُدّت حدودًا دولية لسورية، وقامت بإجراءات قانونية، لمنع أي تواصل بين السكان ودولتهم، فألغت المناهج الدراسة السورية التي كان معمولًا بها في مدارس الجولان، واستبدلت بها مناهج إسرائيلية، ولاحقًا فرضت منهاجًا تعليميًا خاصًا للطلبة ” الدروز” لتعزيز الشعور والهوية الطائفية، توافقًا مع نهج الحكومات الإسرائيلية التي تتعامل بالتقسيمات الطائفية بكل ما يتعلق بغير اليهودي، واستحدثت مادة التراث الدرزي، بوصفها عنصرًا أساسيًا في المنهاج الذي يحتوي على أخطاء تاريخية واضحة، إضافة إلى ادخال العبرية لغة أساسية ثانية في المدارس والجامعات في محاولة لإحلال العبرية محل العربية وتشويه الهوية الوطنية، للطالب السوري في الجولان، على الرغم من الحاجة الماسة إلى هذه اللغة للوصول إلى مستويات اقتصادية وتعليمية وثقافية، وتلبية الحاجات الضرورية في سوق العمل الإسرائيلي ومن ثم أصبح استخدام مفردات اللغة العبرية التي تحمل خطابًا فكريًا وسياسيًا صهيونيًا أمرًا شائعًا في اللغة العربية المحكية بعد سنوات من فرضها، الأمر الذي أصبح يشكل أزمة لدى المواطنين في الجولان، وتواصلهم مع أبناء شعبهم، فمن جهة هناك حاجة في المجتمع الجولاني إلى التواصل مع المجتمع الإسرائيلي وتوفير احتياجاته وبخاصة في ظل الرخاء الاقتصادي وخيبة الأمل من الهزائم والانهيارات الوطنية في المستوى الوطني السوري والمحلي الجولاني، وظهور أعراض لدى فئة من الجيل الجديد، تتنكر للغة العربية بوصفها هوية، نتيجة العلاقة والاحتكاك في مرافق الحياة الإسرائيلية، وما يفرضه من حاجة إلى التواصل، ومن جهة ثانية هناك الرغبة في تعزيز الانتماء الوطني والحفاظ على الهوية، هذا المأزق يضاف إلى الأزمات التي يعانيها المجتمع السوري في الجولان، بوصفها جزءًا من أزمة الهوية التي يُعبر عنها في أحد أشكالها التداخل اللغوي بين اللغتين، وما تشكله من وسيلة اغتراب المواطن السوري عن بيئته ومصادرة هويته وتهميش لغته كجزء من ثقافته الأساسية التي ترتبط بأساسيات الصراع مع الاحتلال الإسرائيلي(1).

مشهد ثقافي يتيم في مواجهة الاحتلال

يعد الاحتلال الإسرائيلي خطرًا داهمًا على الثقافة الوطنية، ويشكل نقيضًا لها، على الرغم من أنه لا يمكن الحديث عن مشروع ثقافي في الجولان المحتل، بسبب غياب مشروع سياسي رسمي، ولأنه لا يمكن وجود مشروع ثقافي وطني منتج، من دون وجود دولة، أو مؤسسة تحتضنه وترعاه، وتضمن استمراره بصفته جزءًا من المشروع السياسي الوطني، يسعى إلى تحرير الإنسان من كل نظم القمع الاستبداد، وتحرير الأرض من الاحتلال، لكن على الرغم من ذلك كله شهد الجولان تكوينات ثقافية عدة متوافقة مع التطلعات والمواقف الوطنية والاجتماعية للسكان السوريين الذين يعدون في معظمهم أن مصيرهم مرتبط بسورية وطنهم التاريخي والطبيعي، ورفضوا التنازل عن هويتهم الوطنية والثقافية والسياسية السورية، على الرغم من بطش المحتل الإسرائيلي وقمعه، ونجحوا خلال أكثر من خمسين عامًا، في بلورة مشهد ثقافي مميز في إطار المسرح والأدب والشعر والفنون والإعلام والموسيقى والغناء ضمن مشروعات فردية وجماعية، تتغذى من روايتهم التاريخية، وشعورهم الوطني، وتجاربهم الشخصية، حيث ساهمت بشكل أو بآخر في مقاومة الطمس الثقافي الإسرائيلي لهويتهم. وساهم هذا المشهد الذي بدأ يتشكل بعد انتفاضة شباط/ فبراير عام 1982، بتجربة رابطة الجامعيين بوصفها إطارًا اجتماعيًا ثقافيًا سياسيًا وطنيًا جامعًا، وتبعتها تجارب عدة للأندية والفرق الرياضية التي اتخذت الثقافة الوطنية شعارًا ونهجًا في برامجها لأدلجة الشباب الجولاني، بثقافة وطنية قادرة على حمل الهوية الوطنية السورية وصونها وحمايتها في المستوى الشعبي والسياسي، تكون في مأمن من خطر درزنتها بهوية طائفية مذهبية، وأسرلتها بهوية إسرائيلية تتماشى مع مقولة ديفيد بن غوريون كون الثقافة الإسرائيلية الغربية هي النور الذي يُبعث إلى الغرباء الذين يعيشون في الشرق البدائي.

المعركة الحاسمة اليوم في الجولان المحتل وخارجه ليست فقط في السياق القانوني والعسكري والسياسي، وليست معركة على اقتسام مصادر المياه والخيرات الطبيعية أو سرقتها، وإنما هي معركة ثقافية تتعلق بالهوية الثقافية، وإنعاشها وصونها وترسيخها في وعي الأجيال السورية من أبناء الجولان في الداخل المحتل والخارج يواجه فيها الجولان معركة غير متكافئة، وغير عادلة، بين تاريخيين وهويتين وثقافتين، إحداهما ما زالت حية تحمل في مضامينها رسالة أخلاقية متداولة منذ قرون وعقود، وأخرى وهي الأقوى ناشئة ومستحدثة، في محتواها تحاول طمس ما يعترضها، واكتساب شرعيتها بكل الطرائق والوسائل والاستيلاء على الموروثات الثقافية كلها من آثار وأسماء وأحداث ومواقع، لإثبات روايات تخدم مشروعًا استعماريًا استيطانيًا عبر عنه المؤرخ والباحث البريطاني الأميركي البارز في تاريخ الشرق الأوسط، برنارد لويس في مقابلة أجرتها معه (وكالة الإعلام الأميركية) في 20/5/2005 قال: «إن العرب والمسلمين قوم فاسدون مُفسدون فوضويون لا يمكن تحضيرهم.. وإذا تُركوا لأنفسهم فسوف يفاجئون العالم المتحضر بموجات بشرية إرهابية تدمر الحضارات وتقوض المجتمعات. ولذلك فإن الحل السليم للتعامل معهم هو إعادة احتلالهم واستعمارهم …»(2).

لم يستطع النظام الحاكم في سورية بصفته صاحب السيادة على الجولان من الناحية القانونية والوطنية، بناء علاقة بين السكان السوريين تحت الاحتلال أو المهجرين في منافي الوطن، ومؤسساته الثقافية والسياسية والمهنية والاجتماعية والمالية، ولم يرَ ضرورة لذلك، أو إعادة النظر في تحديد أولوياته بخصوص الجولان. وفشل في إيجاد أسلوب عملي وجاد وواقعي يلبي حاجة الجولان إلى تعزيز علاقاته مع دولته الأم، وبخاصة بعد دخوله في مفاوضات غير مباشرة مع إسرائيل في بداية التسعينيات من القرن الماضي بهدف التوصل إلى صفقة سياسية، تلبي مصالحه ومصالحها في أي تسوية سياسية وأمنية، على العكس تمامًا فقد اختار التعامل مع السكان عبر الأجهزة الأمنية، وسياسية الترويع والتهديد والتخويف، ومقاطعة أي فعاليات وبرامج ونشاط لا يتوافق المبادرون إلي مع نهج الأجهزة الأمنية، بوصفهم معارضين للنظام. وعمل على التحريض عليها ومقاطعتها، بحجة أنها مشروعات ممولة إسرائيليًا، ـ تهدف إلى زعزعة النظام، وتفتيت الوحدة الوطنية في الجولان المحتل. مع ذلك احتل المشهد الثقافي حيوية اجتماعية ووطنية متميزة في مختلف أرجاء الجولان المحتل، والداخل الفلسطيني، حتى أن بعض الأعمال الفنية الفردية، وصلت إلى العالمية، كالفنان التشكيلي فهد الحلبي، والفنانة التشكيلية رندا مداح، وفي المستوى الموسيقى برزت فرقة توت أرض الموسيقية، وفرقة هوا دافي، والعازف الموسيقي يزن إبراهيم، ومسرح عيون، وعلى صعيد الإخراج سليم أبو جبل والشاب تيمور الولي، والمخرج وسيم الصفدي، وطليع الصفدي، ومن الشخصيات الأدبية الروائي يوسف فخر الدين، والشاعر والكاتب معتز أبو صالح، والشاعر الأسير المحرر ياسر خنجر ،والكاتب نضال الشوفي، والشاعر نزيه بريك، الذين تُرجمت أعمالهم الروائية والشعرية إلى لغات عدة، وعلى صعيد التمثيل السينمائي الشاب الممثل جواد العفلق، إضافة إلى عشرات الفنانين والفنانات الذين ساهمت أعمالهم الأدبية والثقافية والفنية في تعزيز الهوية الوطنية السورية وحمايتها، وطنيًا وإقليمًا ودوليًا. إلا أنها لم تحظَ بأي دعم أو اهتمام إعلامي سوري، وبقيت في إطار الاهتمام المحلي والفلسطيني، بوصفه عمقًا وحاضنًا ثقافيًا للجولان المحتل، وساهم في إرساء مكونات الهوية الثقافية السورية في الجولان، وإثرائها بوصفها حالة سياسية نضالية، في ظل الحصار الجغرافي، وعدم قدرة الجولانيين على السفر إلى البلدان العربية بما فيها وطنهم الأم سورية، لأسباب أمنية وقانونية، واشتراط الجنسية (التي لا يحملونها) شرطًا للوصول إلى كثير من دول العالم.

لطالما كانت الثقافة سلوكًا وموقفًا ونهجًا وطنيًا وسياسيًا ونضاليًا، يتوافق والموقف العام للسكان السوريين في الجولان المحتل، في مواجهة سلطات الاحتلال، وشكلت تجربة ذاتية صادقة وجادة لإيجاد حلول بديلة للتهميش والتجاهل السوري لقضايا الجولان، ودور الثقافة في العملية النضالية التحررية، ومساهمتها في تأصيل الوعي الوطني في الجولان، وعلى الرغم من الصعوبات والتحديات والعراقيل كلها، استطاعت أن تشكل بديلا مهمًا للثقافة التي تروجها مؤسسات الاحتلال الإسرائيلي، عبر أسرلة المفهومات النفسية والأخلاقية والمعنوية والحياتية ومحاولة إسقاط الأصوات النخبوية في الجولان، في محاولة لاستبدال مفهوم الثقافة، كحالة تعبر عن الحاجة إلى الحرية والديمقراطية، والحريات المدنية واحترام حقوق الإنسان، والتعددية، إلى حالة تتنكر للهوية الوطنية الجامعة، وتشرع ثقافة الهيمنة والاحتلال والتبعية والتعايش والاستسلام للأمر الواقع، وتحول بعض من رواد هذه الثقافة، إلى مراكز قوى ومصالح اقتصادية، ارتبط مصيرها ومكاسبها بمشروعات الاحتلال ذاته، لا تستطيع أن تتوافق وتطلعات المجتمع الجولاني، وبخاصة بعد وأد المشروعات البديلة لسلطة الاحتلال، وتجفيف الدعم عنها، من قبل المؤسسات الوطنية المحلية التي أقامتها وأطلقتها، ووفرت لها الحماية والرعاية والدعم المالي والشعبي والغطاء السياسي، وشكلت تغيرًا نوعيًا في العمل المؤسساتي في المنطقة، كمشروع بيت الفن التشكيلي، ومشروع مركز الموسيقى، وحديقة القنيطرة للأطفال، ومشروع مسرح عيون، وروضة المسيرة، ومشروع مركز الإعلام والتوثيق، والسياحة البديلة، والكتابات الإبداعية، ومخيم الشام الصيفي التطوعي، والنشاط السنوي الدوري للأطفال، ومهرجان الجولان للثقافة والفنون، وموقع الجولان الإلكتروني، إضافة إلى عدد من المشروعات الذاتية الفردية التي بادر إليها فنانون وإعلاميون وأساتذة، كجريدة بانياس، ومركز فاتح المدرس للفنون، ومركز مجاز للفنون ودوريات ثقافية، والمنتدى الثقافي، ودار اللغة العربية، ومكتبة حنا مينا، وصالون الجولان الذي أقامه مركز حرمون للدارسات المعاصرةـ بوصفه أول علاقة مؤسساتية إدارية تجمع بين سوريي الجولان المحتل، وإطار فكري وبحثي وسياسي سوري، إضافة إلى عدد من المشروعات الموسيقية والفنية التي ساهمت في تعميق الوعي والإدراك بالهوية السورية للجولان أرضًا وشعبًا، حيث حققت حضورًا شعبيًا وإعلاميًا على الصعيد المحلي والفلسطيني، إلا أنها توقفت كليًا، بسبب تجفيف الدعم المادي عنها فغابت عن المشهد الثقافي.

واقع الثقافة في الجولان

مع تراجع المؤسسة الوطنية الأقوى في الجولان (جولان لتنمية القرى العربية) بصفتها مشروعًا وطنيًا بديلًا، وتخليها الطوعي عن واجباتها والتزاماتها تجاه الأهداف التي وضعتها أمام نفسها، وأمام الجمهور الجولاني الذي تبناها ودعمها، وكان شريكًا لأعمالها وبرامجها ومشروعاتها منذ تأسيسها، في ظل الموقف العدائي المتصلب لأجهزة النظام السوري ضدها وضد إقامتها، غدت الحالة الثقافية والفنية والمسرحية في الجولان، تحت مطرقة برامج الأسرلة والتهويد، وسندان الحاجة الروحية والفكرية إلى الحالة الثقافية، في ظل غياب وتواطؤ كامل للدولة السورية التي لم تنظر بأريحية إلى تطور الحالة الثقافية في الجولان وارتقائها، لعدم انصياعها للإملاءات والولاءات والتهديدات الأمنية السورية، وتناقضها مع طبيعة النظام القمعية والاستبدادية، إضافة إلى تحول الحالة الثقافية أيضًا، إلى ضحية النخبوية الأكاديمية والمهنية والسياسية المأزومة في الجولان التي ساهمت بشكل أو بآخر، في ظهور دائرة الأصوات المؤيدة للاندماج في المنظومة الإسرائيلية وتصاعدها واتساعها، وتحاول ملء فراغ المشهد الثقافي المُعطل واليتيم بعد تخلي جمعية جولان لتنمية القرى عن أحد أهم أهداف تأسيسها التي جاء فيها أن غياب سلطة وطنية ترعى شؤون السكان العرب في الجولان منذ احتلاله، وقيام سلطات الاحتلال باستغلال الخدمات اليومية وسيلة ضغط سياسية، ما أدى إلى ظهور كثير من الأزمات والتشوهات في تطور بنية المجتمع. فمنذ إقامتها عملت الجمعية تحت شعار التنمية من أجل الصمود. فمن خلال المشروعات الكثيرة التي أُنجِزت، استطاعت الجمعية المشاركة في الحد من تأثير مخططات الاحتلال وممارساته الهادفة إلى محو ثقافتنا وارتباطنا القومي بالأمة والوطن. وفي هذا السياق نجحت الجمعية في إقامة عدد من المشروعات الرائدة واستطاعت استيعاب عشرات من الكوادر والخريجين.

إن غياب المؤسسات الثقافية في الجولان أو ضعفها مرتبط ارتباطًا كليًا بالواقع السياسي، على الرغم من أن هناك من يرى أنه ليس ذريعة لتردي الحالة الثقافية، لكنه يشكل العنصر الأهم في دعمها أو تشويهها، أو حرفها عن دورها الطبيعي في صون الهوية الوطنية، مع تأكيد أنها لا تصنع مثقفًا مبدعًا، إلا أنها تمتلك دورًا في حماية الثقافة، وفي الحالة الجولانية شكلت عاملًا مهمًا في المسيرة النضالية لأبناء الجولان المحتل التي حاولت الأطراف الاحتلالية والاستبدادية كلها محاربتها وتحييد دورها، ووضع العراقيل أمام تطورها ونموها واستقلالها، كل وفق مصالحه ومنطلقاته، لتدمير أحد مقومات الهوية السورية المستهدفة، وفقدت سندها أكثر، في ظل تقدم برامج الأسرلة ونموها التي تشهدها الساحة الجولانية مؤخرًا، وخصوصًا في السنوات الأخيرة وفقدانها الحماية الشعبية والجماهيرية والمؤسساتية، كالبرامج اللامنهجيّة ذات الأجندات السياسيّة، وبرنامج الشبيبة العاملة والمتعلمة” مدتسيم” وشبيبة ” مستقبلنا” عتيدنا ” وهي جمعية تنشط مؤخرًا في البلدات العربية، تعمل على الأسرلة باسم التطوع، وتحسين أوضاع الحياة، وكسب الفرص وتشجيع الخدمة المدنية والوطنية الآخذة بالتطور. وإقامة نشاط ثقافيّ وفنيّ ورحلات تعليميّة ذات مضامين تربوية بحسب القائمين على هذه البرامج. إذ جاء في موقع الشبيبة العاملة والمتعلم باللغة العبرية عام 2017 “: تقرر في حركة الشبيبة العاملة والمتعلّمة، وهي الحركة الشبيبيّة الوحيدة المشتركة لليهود والعرب والدروز، إطلاق برنامج فوري لإصلاح طريقة عمل الشبيبة العاملة والمتعلّمة مع الشباب الدروز. تضمّن هذا البرنامج وضع خطة طويلة الأمد، تعديلات وتجنيد مرشدين جدد ذوي قدرات عالية في مجالات التربية، تطوير البرامج التربوية، التوسع في تجنيد المرشدين اليافعين وافتتاح أندية جديدة. إقامة أندية جديدة في قرى الجولان اليوم، وبعد ما لا يزيد على سنة ونصف من العمل المتجدّد، ينشط أكثر من 850 تلميذًا في القرى الدرزية الأربع، مع 150 مرشدًا يافعًا. نادي بقعاثا، على سبيل المثال الذي أعيد افتتاحه، يعمل اليوم مع 45 مرشدًا. نشاط الحركة يحرز نجاحًا ويترسّخ في أوساط شبيبة قرى الجولان، لأنه يسدّ النقص القائم في النشاط وغياب الفعاليات الترفيهية للشباب. إضافة إلى ذلك، وفي عقب الثورة الدّامية في سورية، والغموض المتعاظم حول مستقبل الجولان، نتجت أزمة هوية عميقة عند الشباب الدرزي. حركة الشبيبة العاملة والمتعلّمة تتعاطى معهم من أجل بناء هويّة أخلاقية وهويّة درزيّة جديدة تضع في مركزها القيم العالمية وتبني ارتباطهم بدولة إسرائيل عن طريق إدخالهم في عضوية الحركات الشبابية الإسرائيلية؛ مثل حركة الشبيبة العاملة والمتعلّمة (3)

إن المحافظة على الهوية الوطنية السورية في الجولان المحتل، تحتاج إلى رؤية وخطة استراتيجية موجهة، وهو واجب أخلاقي ووطني، لا يخص فقط المؤسسات الوطنية المحلية في الداخل المحتل، وإنما واجب المؤسسات والأطر الفكرية والمهنية والبحثية السورية المؤمنة بالحرية والعدالة والتعددية، في الداخل السوري والخارج التي أفرزتها الثورة السورية، وضرورة تعزيز العلاقة مع الجولان المحتل ومهجريه، وتوفير الحماية الإعلامية والإنتاجية والمادية، لتبقى معركة الدفاع عن الجولان واستعادته من الأولويات الوطنية الرئيسية، على الرغم من الأحداث الكارثية التي يشهدها الوطن السوري التي كان أحد نتائجها اعترافًا أميركيًا بشرعية قضم الأرض السورية واقتطاعها، نتيجة انهيار الدولة السورية والنظام الحاكم وتفريطها بسيادتها القانونية والتاريخية على الجولان، لمصلحة البقاء على كرسي الحكم واستمراره في قمع ثورة الحرية والعدالة والكرامة التي طالب بها الشعب السوري منذ عام 2011 التي تهدد في حال انتصارها عروش الحكم القمعية في المنطقة كلها، والدور الوظيفي لها في خدمة الاستراتيجيات والمصالح الإسرائيلية.