الأربعاء , سبتمبر 22 2021
الرئيسية / ملفات الارشيف / معالم جولانية / القرى السورية المدمرة / طرد السوريين من هضبة الجولان (2 من 3): ثلاث شهادات
syrian golan 1967

طرد السوريين من هضبة الجولان (2 من 3): ثلاث شهادات

طرد السوريين من هضبة الجولان (2 من 3): ثلاث شهادات

مركز حرمون للدراسات المعاصرة\قسم الترجمة

   09 كانون الثاني/يناير 2021

طرد السوريين من هضبة الجولان (2 من 3): ثلاث شهاداتاللحظات الأخيرة في قرية فيق، حزيران/ يونيو 1967. سكان محليون أمام جندي إسرائيلي تصوير: بانيا بن نون

 

ترجمة أيمن أبو جبل

 

(*) الآراء الواردة في هذه المادة لا تمثل بالضرورة آراء المركز ولا مواقفه من القضايا المطروحة

يتناول الفصل الثاني، من بحثنا الخاص بطرد السوريين من هضبة الجولان، الحياةَ في الهضبة السورية قبل حرب الأيام الستة، وشهادات مدنيين سوريين نزحوا من ديارهم وتحولوا إلى لاجئين في بلادهم. * “جاء جندي وطلب منا مغادرة القرية والتوجه نحو القنيطرة، وبدأ بإطلاق النار في الهواء”.

 

هذا هو المقال الثاني من سلسلة بشأن طرد المواطنين السوريين من هضبة الجولان، ومحو القرى بعد حرب الأيام الستة، حتى عام 1974 في الحقيقة، بعد انسحاب إسرائيل من القنيطرة، لا قبل تدميرها بالكامل. يتناول هذا الفصل الحياة في الجولان السوري قبل حرب الأيام الستة، ويعرض عددًا من شهادات اللاجئين أو النازحين، كما سمّاهم السوريون. ويستند هذا المقال إلى مواد منشورة على موقع “الجولان” ( (jawlan.org وعلى موقع “النكبة” https://nakba-online.tripod.com/ وموقع “ذاكرات“ https://zochrot.org/he/article/54831

تذكرنا قصص النازحين السوريين عام 1967 بقصص اللاجئين الفلسطينيين عام 1948. وروى كثير منهم كيف فروا من قراهم بسبب القصف، وناموا في الحقول وانتقلوا من قرية إلى قرية حتى وصلوا إلى مكان آمن. ازدهرت مرتفعات الجولان وتطورت بعد عام 1948؛ حيث وصل إليها آلاف الفلسطينيين، بعضهم من قرى الجليل الأعلى، بعد أن طردتهم القوات الإسرائيلية. لم تكن الزيادة في عدد السكان بسبب الزيادة الطبيعية، ولكن بسبب الهجرة إلى الجولان من المحافظات السورية، بسبب نموها وتطورها الاقتصادي. وأصبحت مرتفعات الجولان مكانًا مهمًا، من الناحيتين العسكرية والاقتصادية، لقربها من فلسطين. عشية حرب حزيران/ يونيو 1967، كان حوالى 153 ألف ساكن يعيشون في مرتفعات الجولان، بما فيها تلك المناطق التي لم تحتلها إسرائيل، موزعين في 275 مدينة وقرية ومزرعة. لا يشمل العدد عناصر الجيش السوري الذين خدموا في الجولان وعائلاتهم. كان عدد سكان مرتفعات الجولان، التي احتلتها إسرائيل في حزيران/ يونيو 1967، حوالى 128 ألف نسمة، في مدينة القنيطرة و222 قرية ريفية أخرى. كانت القرى معظمها صغيرة، أقل من 1000 شخص، وكانت عشرات القرى صغيرة جدًا ويسكنها أقل من 100 شخص. تستند هذه البيانات إلى دراسة أجراها الدكتور إيغال كيبنيس، بشأن الحياة السورية في هضبة الجولان عشية حرب الأيام الستة، ونشرت على موقع كاتديرا  عام 2003.

بلغ عدد سكان القنيطرة، التي كانت عاصمة المحافظة والمركز الإداري الرئيس في الجولان، ما بين 20 ألفًا إلى 30 ألف نسمة في بلدة فيق، التي كانت عاصمة منطقة فرعية ومركزًا إداريًا في جنوب مرتفعات الجولان، عاش فيها أقل من 3 آلاف نسمة. يعتمد مصدر عيش سكان الجولان أساسًا على الزراعة. حتى في مدن مثل القنيطرة، كانت الزراعة مصدر الرزق الرئيس. ومخصصة للاستهلاك الذاتي للمزارعين، ولم تكن هناك تقريبًا تجارة للمنتجات بين القرى. كانت زراعة الأرض تعتمد على طرق قديمة، وكانت المحاصيل قليلة، مثل القمح والشعير والبقوليات. أما في شمال الجولان فكانت هناك مناطق رعي واسعة، وفي القرى الدرزية على سفح جبل الشيخ انتشرت زراعة الأشجار المثمرة، إضافة الى مصادر الرزق الأخرى كالتجارة والصناعة والبناء والخدمات والنقل، كما عمل القرويون في وظائف متاحة لمصلحة الجيش السوري. كانت بيوت الفلاحين التقليدية في جنوب الجولان مبنية في الغالب من الطين، وكان يخلط في بعض الأحيان مع أحجار البازلت. تكونت المنازل من غرفتين؛  وكان أفراد الأسرة ينامون على فرش وبطانيات منتشرة على طول الجدران في غرفة المعيشة،و في تجاويف الجدران، تخزّن الأدوات المنزلية، معظمها مقتنيات نسائية مثل أدوات المكياج والخياطة والحياكة، وكذلك المجوهرات والحلي والألعاب. وكانت الغرفة الثانية مخصصة بصفتها مخزنًا للمواد الغذائية وأدوات العمل، أما زيت الزيتون كان يوضع في إناء فخاري كبير.

seer diab

أنقاض قرية (صير الديب) على بعد ثلاثة كيلومترات شرقي كيبوتس شامير ( صورة رقم 2)

خارج المنزل كان هناك فناء محاط بجدار حجري وبمحاذاته زاوية مخصصة للطبخ والخبز وزاوية خاصة للماء حيث يُخزّنُ في إبريق ضخم. كان هناك جهاز خاص لصنع الزبدة. أما السماد المجفف فقد استخدم مادة للتدفئة. وفي داخل الفناء كانت تعيش المواشي والأغنام والأبقار أيضًا، والدجاجات التي تجول في الفناء. طورت الحكومة السورية الجولان أساسًا لأغراض عسكرية، فشقت الطرقات المعبدة، وأنشأت خطوط الكهرباء والهاتف وشبكة المياه المنظمة. وتمتع السكان المدنيون بهذا التطور بشكل غير مباشر، وبخاصة أولئك الذين يسكنون في القرى على الطرق الرئيسة. واستفادت من هذا التطور أكثر من 50 قرية وبلدة، أما القرى الأخرى فقد استخدمت مياه الينابيع ومياه الجداول ومياه الأمطار. كان هناك أكثر من 100 مدرسة ابتدائية في أنحاء الجولان جميعها، وحوالى 10 إلى 15 مدرسة ثانوية فقط  مبنية من الباطون. في المدارس الابتدائية، كان عدد الطلاب الذكور ضعف عدد الطالبات، وكانت معدلات التسرب عالية في طبقات الصف الأول؛  حيث كانت نسبة الذكور الذين تسربوا أعلى من نسبة الإناث في طبقات الصف السادس. بالنسبة إلى المدارس الثانوية، كانت نسبة الذكور أعلى بكثير من نسبة الإناث. وكانت الخدمات الصحية في الجولان محدودة للغاية؛ حيث وجدت العيادات الطبية في القنيطرة وفيق فحسب، وربما في مجدل شمس أيضًا. أما بالنسبة إلى خدمات المستشفيات المدنية فلم تكن متوفرة على الإطلاق.

الطرد والتهجير من الجولان في عيون الإسرائيليين

يتجاهل التأريخ الصهيوني تمامًا طرد سكان الجولان عام 1967 وتدمير قراهم. ويقول التفسير الإسرائيلي الرسمي، الذي دعمه وأيده المؤرخون الصهاينة، إن سكان الجولان هربوا عام 1967 كما هرب الفلسطينيون عام 1948. على سبيل المثال، يقول معجم “كل مكان وموقع” الذي نشرته وزارة الدفاع الإسرائيلية عن مرتفعات الجولان: “في خلال حرب الأيام الستة، احتل جيش الدفاع الإسرائيلي مرتفعات الجولان وفر سكانها معظمهم”. فيما تضمن معجم آخر شبه عسكري بعنوان “قاموس لأمن إسرائيل”، لمؤلفيه إيتان هابر وزئيف شيف، معلومات عن سكان الجولان جاء فيه: “معظمهم هربوا وتركوا بيوتهم”، من دون أن يذكر أو يشير إلى أنهم مع نهاية الحرب حاولوا العودة الى قراهم لكنّ الجيش منعهم من ذلك بعدها دمر بيوتهم. وقد ذهب المؤرخ الإسرائيلي ناتان شور إلى أبعد من ذلك  حين ادعى أن  قيادات الجيش السوري أمرت سكان الجولان المدنيين بالتخلي عن منازلهم وممتلكاتهم ومغادرة قراهم على الفور، والتوجه إلى الداخل السوري، ولم يبق من القرى السورية سوى البلدات الدرزية التي لم يستمع سكانها إلى هذه القرارات، وسُوّيَتْ القرى بقيتها بالأرض ودمرت بالكامل، فيما كتب مؤرخ وكاتب إسرائيلي آخر يدعى ميخال أورين في كتابه “ستة أيام من الحرب” عن الإحراج  الذ ي سببه رحيل 95 ألف مواطن سوري من مرتفعات الجولان في 10 حزيران/ يونيو، وضرب أمثلة على الأشخاص الذين فروا. وبحسب قوله، فإن “الدروز والشركس” وحدهم بقوا في أماكنهم “للترحيب بالمحتلين”.

einfeet2020

أنقاض قرية عين فيق العلوية المرموقة في شمال غرب مرتفعات الجولان. وحدات الجيش الإسرائيلي تتدرب أحيانًا (صورة رقم 3)

ظهرت أدلة على قضية الترحيل بين الحين والآخر في المقالات والكتب الإسرائيلية، وبخاصة في الدعاوى السياسية. كان من أوائل الذين تناولوا هذا الأمر الجنرال الإسرائيلي المتقاعد رحبعام زئيفي، الذي ادعى في جدال مع عضو حركة البلماح المتطرفة في صحيفة يديعوت أحرونوت، أن رجل البلماح ديفيد إلعازار (دادو) طرد سكان القرى السورية جميعهم من مرتفعات الجولان بعد حرب الأيام الستة، بموافقة “رئيس الأركان إسحق رابين، ووزير الدفاع موشيه ديان، ورئيس الوزراء إشكول. وأشار إسرائيلي آخر إلى قضية المهجرين السورين من الجولان، وهو الجغرافي البروفيسور أرنون صوفر، الذي قال أمام الكاتب ديفيد غروسمان: “لقد طردنا في مرتفعات الجولان  70 ألف سوري في يومين”. أما المؤرخ بيني موريس، فقد كتب في كتابه “الضحايا” أن ما بين 80 و90 ألف مواطن هربوا أو طردوا من مرتفعات الجولان. وبحسبه، فقد سعى  قادة الجيش الإسرائيلي ” إلى إخلاء السكان المدنيين من مرتفعات الجولان، وقد فروا فرارًا كليًا تقريبًا في أثناء عمليات والقصف التي نفذها الجيش الإسرائيلي في أنحاء المنطقة جميعها يومي 5 و 8 يونيو / حزيران، وفي أثناء الهجوم البري على الأرض في 9-10 يونيو / حزيران”. أما الصحفي البريطاني باتريك سيل فقد كتب أن “إسرائيل نهبت القنيطرة وأخلت القرى المحيطة بها، وفي الأشهر الستة التي تلت الحرب، رحّلت “90 ألف شخص” بالقوة والعنف “إلى سورية، وانضم هؤلاء إلى 30 ألفًا آخرين فروا في أثناء القتال. وأكدت المؤرخة تابيثا باتران أنه “في الأشهر الستة التي أعقبت الحرب، طردت إسرائيل 95 ألف شخص آخرين عن طريق تدمير القرى، وقطع إمدادات المياه والغذاء عنهم، وترافق ذلك مع التهديد بالتعذيب والإعدام لمن يرفض المغادرة. وأجبر السكان على ترك ممتلكاتهم وراءهم، من محال تجارية مليئة بأطيب الأصناف والمواد، وقطعان الماشية والماعز، والملابس والأدوات المنزلية والأراضي والمنازل وكروم العنب وبساتين التفاح.  إن طرد السكان المدنيين من الجولان السوري ومحو وجودهم من على وجه الأرض قصة تكاد تكون غير معروفة في الخطاب الإسرائيلي. إنها عملية فريدة من نوعها بسبب ارتفاع معدل الترحيل خلال فترة قصيرة:  وصلت نسبة سكان الجولان الذين جرى محوهم وطردهم إلى 96%، ولم يبق إلا حوالى 7000 شخص في القرى الموجودة في شمال الجولان.

منع العودة

39 order (1) 39 order (2)

صورة رقم 4 قرار عسكري رقم 39

لمنع اللاجئين السوريين الذين فروا إلى سورية من العودة إلى قراهم في الجولان، هددت إسرائيل بإطلاق النار  على أي شخص يدخل إلى الأراضي المحتلة. وأعلنت الحكومة العسكرية الإسرائيلية القرى المهجورة “مناطق عسكرية مغلقة”، وفي الوقت نفسه بدأ الصهاينة في تدميرها،  وكان يُمنع أو يُغرّم كل من يُقبض عليه وهو يتسلل إلى قريته. تدريجيًا، بدأت المستوطنات اليهودية في الظهور في الجولان بدلًا من القرى العربية السورية. في 1969، وافقت الحكومة الإسرائيلية على خطة مدتها عشرة سنوات، تضمنت ضم مرتفعات الجولان إلى الدولة اليهودية، واستيطان 50 ألف مستوطن إسرائيلي، وإنشاء مدينة يسكنها 30 ألف نسمة. وبمرور الوقت أُنشئت 33 مستوطنة في الجولان المحتل، (34 مستوطنة-المترجم) ينتشر بعضها على الأرض والقرى السورية بقيتها، ويعيش فيها حاليًا أكثر من 30 ألف مستوطن يهودي (23 ألف مستوطن-المترجم). يستخدم المستوطنون حوالى 5% من الأراضي الزراعية في الجولان؛ 11% منها مساحات مفتوحة و17% محميات طبيعية، إضافة إلى مساحة جبل حرمون معظمها. وتستخدم الأراضي بقيتها للرعي أو بوصفها معسكرات ومناطق عسكرية مغلقة لأغراض التدريب، بالإضافة إلى حقول ألغام. يوجد في الجولان حوالى 60 معسكرًا للجيش الإسرائيلي و67 حقل ألغام، (2000 حقل ألغام- المترجم) يقع بعضها في داخل القرى العربية المأهولة أو بالقرب من نفوذها. ويستخدم السكان الدروز الذين بقوا في الجولان 75 كيلومترًا مربعًا من الأرض فقط، ومن أصل 31 مليون متر مكعب من المياه تُضخ سنويًا، هناك 28 مليونًا مخصصة للمستوطنين، وأربعة ملايين للسكان الدروز. يدفع الدروز ثمن المياه لشركة مكوروت، رغم أن المياه معظمها تُسحب من الآبار الموجودة في أراضيهم التي حفرتها إسرائيل وأعدتها. ومنذ عام 1967، استشهد 21 شخصًا وأصيب 31 آخرون برصاص قوات الاحتلال، وحُكم على نحو 700 شخص بالسجن بسبب نشاطاتهم السياسية.

alhoma1967

1967 قرية مهجورة في بلدة الحمة عداد سكانها 350 هدمت فيما بعد. بالقرب منها اليوم الحمامات والآثار تصوير: يتسحاق عميت، مجموعة هارفارد (صورة رقم 5)

فيما يلي بعض الشهادات من سكان الجولان السوري

فداء الصالح: أعيش الترحيل الثاني من جانب الأسد

“عاش والدي عقودًا على أمل العودة إلى مسقط رأسه في الجولان، والآن أعيش مأساته نفسها مرتين؛ مرة عندما مُنحت صفة “نازح”، نازح منذ ولادتي، والأخرى بعد حملة التهجير القسري إلى شمال سورية بعد حرب الأسد ضد الشعب السوري. في أيار/ مايو 2018. مع انطلاق الحافلات باتجاه الحاجز الروسي في سورية راودتني الفكرة: ما الفرق بين تاريخ 5. 5. 2018 و تاريخ 10. 6. 1967؟ شعرت أن وجوه المحتلين هي نفسها ما دامت النتائج متشابهة. لقد سخرت من صفة النازح الملتصقة بي. ماذا سيتغير بعد ذلك؟ قلت لنفسي، محاولًا البحث عن سيناريوهات جديدة محتملة عن الحياة التي تنتظرني في شمال سورية،

المكان الذي يسمح لي بالهروب من الموت والخراب والقتل الذي يقوم به الأسد والروس والإيرانيون في أنحاء سورية جميعها في سبيل الحرية وإنهاء حكم البعث.

fiq women1967

حزيران/ يونيو 1967، نساء في قرية في الجولان يفحصن إصابة في منزل. الصورة من موقع الجولان (صورة رقم 6)

في الحافلة الى الشمال السوري، لم يتمالك الحاج محمد نفسه عند وصولنا إلى عدرا العمالية، كانت عيناه تذرفان بسخاء وصمت أيضًا، جميعنا كنا ننتظر الوقت المناسب للتخلي عن كبريائه. حاولتُ مواساته، اقتربتُ منه، سألتُهُ مازحًا: «أي لما طلعتو من الجولان بالـ 67 طلعتو مشي على رجليكم، والزنكيل فيكم طلع على ظهر حمار، وهلأ طالع بباص ومو عاجبك». أفرجَ عن ابتسامة شاحبة، عدّلَ من جلسته، وكأنه أراد أن يزيل همًّا يحمله كجبل منذ سنوات، ذلك الهم الذي يتكرر أمامه اليوم، وقال: اليوم أنا اعرف إلى أين سنصل هناك خيمة تنتظرني. وأضاف: “عندما رُحّلْنا من الجولان كان عمري 17 عامًا، كنت طالبًا في المدرسة الثانوية. في صباح 10 حزيران / يونيو 1967 سمعنا من إذاعة دمشق بيان سقوط القنيطرة،  وبدأت الوحدات العسكرية في التراجع وترك معظمهم أسلحتهم وفروا. كانت الطائرات هي الشيء الوحيد الذي رأيناه. بدأ الناس بمغادرة الأماكن وأُفرغت القرى والمزارع من سكانها. ذهبوا جميعًا إلى مناطق في القنيطرة ثم تفرقوا في أنحاء سورية. جاء بعضهم إلى درعا وآخرون إلى دمشق وحمص. في 1967 عاش الناس بهدوء حتى طردوا. عندما دخل اليهود كنا خارجها بالقرب من البستان، تحت ظلال الأشجار. عندما عدنا إلى القرية كان هناك عدد من جنود ودبابات اليهود. كنا خائفين جدًا. جاء جندي وطلب منا المغادرة والسير باتجاه القنيطرة. بدأ أصدقاؤه إطلاق النار في الهواء. طلبنا منهم بالإشارة العودة إلى المنزل وأخذ بعض مقتنياتنا. لم يوافقوا. كان أحدهم رجلًا نبيلًا، اقترب منا وقال بلغة مشابهة للعربية:  “ابتعد بسرعة، وإلا سنطلق عليك النار. التفتَ إليَّ وهو يقول: «الآن أنت تعرف إلى أين ستتجه، وأن خيمة في مكان ما بانتظارك، أما وقتها، فقد افترش الأهالي التراب وملؤوا البساتين. خفّفَ الصيف من معاناة الأهالي الذين تفيؤوا في ظلال الأشجار، وبين حين وآخر كان هناك من يأتينا ببعض الطعام إغاثة، ولكن المصيبة الأكبر كانت مع دخول الشتاء، إذ سكن الناس حظائر الأغنام، وبعضهم بنى بيوتًا من طين. باع كثيرون مواشيهم لتأمين الغذاء الكافي، أما المدارس فباتت حلمًا بعيدًا، وإن وُجدت فلم يكن الأهالي يملكون ثمن قلم أو دفتر، وبات البحث عن عمل لتأمين لقمة العيش الشغل الشاغل للصغير والكبير»

خسر السوريون الحرب. لقد أصبح اليهود سادة هذه الأرض

يوسف إبراهيم: أعطينا الجنود كرزًا ليعيدوا إلينا أغراضنا

كانت عائلتي من سكان القنيطرة منذ عام 1952. حين اندلعت الحرب كان عمري 19 عامًا، وكنت أعمل في الخياطة. لوحظت قبل الحرب حالة استنفار وتجهيزات عسكرية؛ حُفرت الخنادق خصوصًا في المراكز الحسّاسة مثل ساحة العقيد قرب ساحة الضباط، واهتم الناس بجمع المؤن. في الصباح سمعت أن الحرب بدأت. تجمهر الناس وطافوا في الشوارع هاتفين: “بدنا نحارب.. بدنا نحارب”. وجّهَت أول ضربات العدو نحو مبنى الأركان. توجّهنا إلى أحد مراكز الجيش كي نحصل على السلاح، وبينما نحن متجمهرون هناك تعرض المركز لقصف طائرة إسرائيلية، وما زلت أذكر كيف غطّانا الغبار والتراب. بعدها قضينا أيامًا ثلاثة في البيوت أو في الملاجئ. بعد ثلاثة أيام قرّر والدي أن ننتقل إلى مجدل شمس، أعطاني يومها 500 ليرة، واستأجر لنا سيارة (لرجل من بانياس- سيارة لاند روفر). في الطريق كنّا نوقف السيارة وننبطح أرضًا كلما رأينا طائرة إسرائيلية محلقة ، إلى أن وصلنا إلى مجدل شمس. عرفنا أن اليهود وصلوا إلى مشارف مجدل شمس فذهبت برفقة بعض الأصدقاء إلى بركة رام كي نتفرّج عليهم، خصوصًا أن إشاعات كثيرة كانت تُحكى عنهم وعن أشكالهم. عندما لمحونا هناك هجم علينا بعض الجنود وصوّبوا أسلحتهم نحونا، ثمّ أمرونا بالركوع. ظننا أنهم سيطلقون النار. اقتربوا منا وفتّشونا، ثمّ سلبوا منّا ما في جيوبنا كله، حتى ساعاتنا وسلاسلنا، (سلبوا مني الخمسمائة ليرة التي أعطاني إياها والدي)، وأمرونا أن نغادر راكضين. وصلنا مزارابا ذر الغفاري وكلّنا أسف على ما خسرناه، فأنا مثلًا خسرت (خمسمائة ليرة سورية) وكانت في ذلك الوقت مبلغًا كبيرًا، طبعًا هذا بالإضافة إلى خسارتنا الكبيرة في الحرب. فكر أحد الأصدقاء في أن نرشوهم بالكرز كي يعيدوا لنا أشياءنا. فعلًا، توجّهنا إلى إحدى الأراضي وقطفنا كمّية من الكرز ثم عدنا إلى الجنود. صوّبوا أسلحتهم علينا مرّة أخرى، أما نحن فصوّبنا نحوهم الكرز. استهجنوا هذه الفاكهة الغريبة، ولكي نبعد عنهم الشكّ أكلنا بعض الحبّات، ثمّ في غضون دقائق لم يكن هناك كرز؛ أكلوه كالمجانين. في النهاية نجحت خطّة الكرز وأعادوا إلينا أغراضنا. بعد أن دخل الجيش إلى مجدل شمس، قرر البعض الرحيل عن القرية، لكنّ مجموعة من مشايخ القرية، على رأسهم الشيخ المرحوم أحمد طاهر أبو صالح، وقفوا في طريقهم واعظين إياهم بعدم ترك القرية مهما حصل.

qunitra196701

القنيطرة، حزيران 1967. إغلاق المؤسسات. الأيام الأخيرة في عاصمة الجولان [الصورة: آنا ريفكين بريك، المجموعة الصهيونية، جامعة هارفارد صورة رقم 7

أم غسان نهاد محمود- ابنتي قالت للجنود أنتم أبناء الشيطان

قبل الحرب بسنة انتقلنا للعيش في القنيطرة. كان أبو غسان يعمل في كي الملابس. وقبل الحرب بقليل عُدنا إلى مجدل شمس. في الصباح سمعنا صوت الحرب، نهض الناس مذعورين، خصوصًا بعد أن سمعنا أن اليهود احتلّوا القنيطرة. كانت الحرب مفاجئة للجميع، وكانت سريعة بحيث لم ندرِ كيف وصل اليهود إلى كلّ مكان، حتى أننا لم نشعر بالحرب أصلًا، وكانت وقافلة الراحلين من قرى الجولان كبيرة. مرّ البعض من مجدل شمس (من قرية جباثا الزيت، زعورة، عنفيت) واستضافهم أهل القرية، (قسم كبير تجمع في مدرسة الساحة)، ثم قُدّمت لهم المساعدة في العبور باتجاه دمشق. في ذلك الوقت كانت ابنتي فريال طفلة صغيرة، اقترب منها أحد الجنود اليهود ليعطيها الحلوى فرفضت وصاحت به: “أنتم شياطين”، فدهش وراح يضحك هو ورفاقه.اعتقدنا أن المسألة لن تستمر سوى أيام ويرحل اليهود قريبًا عن الجولان. لكن ذلك لم يمنع البعض من التفكير في الرحيل عن القرية، ولولا بعض المشايخ الذين أوقفوهم لكانوا رحلوا. بعدما هدأت الأوضاع كان أصحاب البيوت في القنيطرة يطلبون التصاريح من الحاكم العسكري لزيارة بيوتهم، وعندما طلب زوجي تصريحًا أُلقيت عليه عقوبة الإقامة الجبرية مدة ثلاثة أشهر؛ وهكذا كُتب علينا أن نعيش تحت الاحتلال، بعد حرب بدأت وانتهت برمشة عين. اعتقلت السلطات الإسرائيلية زوجي (أبو غسان) في شباط/ فبراير عام 1973، وكان وقتها يعمل في إيلات مع مجموعة من أصدقائه  الذين اعتُقلوا معه. وقتها كان لنا خمسة أبناء أكبرهم عمره عشر سنوات.  شعرت أنه سيُسجن مدّة طويلة. في البداية منعونا من زيارته، وكان قد تعرّض للتعذيب القاسي، لكنه على الرغم من ذلك لم يعترف بالتهم المنسوبة إليه. في إحدى جلسات المحكمة احتجزوني، وأدخلتني امرأة إلى غرفة التحقيق وحاولت تفتيشي بصورة مهينة، فدفعتها عني وصرخت بها. سمعني ضابط في الخارج وقال لي بعدما خرجت من الغرفة: “نهاد، لماذا نسمع صياحك دائمًا؟” فقلت له: “أنتم من يجبرني على ذلك”، فقال لي: “نهاد، أنت تشكّلين خطرًا!” من المشاهد التي ما زلت أذكرها كل يوم، أنه في إحدى جلسات المحكمة قلت لابني الصغير آنذاك (جميل) أن يحبو من تحت المقاعد نحو أبيه خلف القضبان. فعلًا، استطاع أن يصل إليه من دون أن يلحظه أحد، قال له: “بيي أني جميل”. كان مشهدًا مؤثّرًا، حاول الحراس أن يبعدوه، لكن الحاكم أمرهم بتركه، ومن يومها سُمح لأبناء المعتقلين بالاقتراب من آبائهم. أمضى أبو غسان 12 عامًا في السجن من أصل 13 عامًا، وطيلة تلك الفترة كنت أمًا وأبًا لأطفالي، أعمل كي أوفّر لهم احتياجاتهم كلها، وعلّمتهم أن حب الوطن أسمى شيء في الدنيا.

 شهادة الأب جورج من داخل سورية: دخلت الكنيسة التي بنيتها بيدي، يا له من مشهد مروع

كان عام 1976 مأساة للأمة العربية ومحرقة للرعاة وكنائس القنيطرة التي انتهينا من بنائها وكنا فخورين بها. تبرعت كنائس أخرى ومؤمنون آخرون بأيقونات ثمينة للكنيسة، وجلبنا حجارة رخامية من إيطاليا لأسوار الكنيسة، وأحضرنا المصابيح من بلد آخر، وكانت الكنيسة جميلة. دخل الإسرائيليون إلى مدينتي القنيطرة التي كانت تعرف بزهرة الجولان.

qunitra1967 chatch

كنيسة يونانية على خلفية آثار القنيطرة مصور مجهول صورة رقم 8

أدى احتلال عام 1967 إلى تهجير أهالي القنيطرة. لقد أجبروا على مغادرة منازلهم. حتى بعد سبع سنوات أخرى كنا نظن أننا سنعود. بعد أشهر قليلة من حرب أكتوبر 1973 غادر الجيش الإسرائيلي القنيطرة. كنت من أوائل الذين دخلوا إلى المدينة، على وجه الدقة ما تبقى منها. دخلت إلى الكنيسة التي بنيتها بيدي. يا له من مشهد مروع! دُمّرَتْ أجزاء كثيرة منها، كانت عارية؛ الها. الصليب، الأجراس، المصباح، الصور الثمينة وحتى النوافذ المزخرفة، سُرقت أو تحطمت. كانت الأسوار من دون حجارة الرخام الكريمة. لم أجد بيتي بين أنقاض الكنيسة. حتى المقبرة دُنّسَت. وكسرت شواهد القبور والقبور بالبنادق والقنابل اليدوية. لقد سألت نفسي مرارًا وتكرارًا:  كيف يمكن لشخص أن يقوم بعمل  فظيع كهذا؟”.

zochrot

جمعية ذاكرات احتلال الجولان صورة رقم 9

جولة في قريتي الخشنية والرمثانية في وسط الهضب السورية. من موقع “ذاكرات”

تهدف المنشورات التي أنتجها الموقع إلى سرد قصة ترحيل النازحين السوريين وسكان الجولان المحتل وتدمير المدن والقرى في أثناء اجتياح الجيش الإسرائيلي في 9 حزيران/ يونيو 1967 وبعده. وذلك للفت الانتباه إلى المأساة التي حدثت وما زالت مستمرة منذ عام 1967، والتأكيد على أهمية إنهاء الاحتلال في الجولان وعودة اللاجئين.

 

اسم المقالة      طرد السورين من الجولان- شهادات

الكاتب    شلومو مين

رابط المقالة          http://bit.ly/3nc1d5Y

عدد الكلمات         3260

ترجمة\ قسم الترجمة      أيمن أبو جبل

الجزء الأول: http://bit.ly/3n7wZ3T

عن astarr net

شاهد أيضاً

nazeh brik

قراءة أولية في كتاب “الجولان عصِيٌّ على النسيان”

قراءة أولية في كتاب “الجولان عصِيٌّ على النسيان“ د. نزيه بريك \ الجولان المُحتل   …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: النسخ ممنوع !!