الأحد , أبريل 11 2021
dad01-291x300

في حضور هذا الموت

في حضور هذا الموت….

عشتار نيوز للاعلام/وفيات/ أيمن أبو جبل

ليس سهلاً على المرء أن يكتب نعي والده، كما أُعتدت في نعي العديد من أبناء مجتمعنا  في الجولان المحتل، خلال سنوات عملي في مجال الاعلام والصحافة. وليس سهلاً  أن تكتب عن إنسان لطالما إعتبرته عنوانا للطيبة والحب والدفء والصدق والإخلاص والتفاني …

ليس سهلاً  عليّ اليوم، أن أنعي  والدي… أبو ناصر هايل نعمان أبو جبل …. لهذا أعتذر مسبقاً ، وسأخرج عن المألوف، وعن المهنية، فعذرا إن ظهرت بعض الجروح بين السطور..

فالموت ليست نهاية العالم.. لكنه نهاية المشهد اليومي الخاص بك. أن تصحو، أو أن تنام، ولا تجد الذين تحبهم …تستشعر فراغ  الحضن الدافئ في غرف بيت طفولتك ، وتستشعر فراغ السرير والكرسي والغرفة من ذاك الجسد،الذي ظل يعاند ويكافح بصمت والم،ووجع مكبوت داخل صدره، لكنها عيونه كانت فاضحة، وحركات جسده الهزيل تكشف حجم الالم  داخله   ….حينها  تتزايد لحظات الشوق في داخلك، ويتسع الحنين أكثر إلى كل تلك الكلمات، وإلى كل تلك  النظرات الحزينة ، إلى كل ذاك الصمت الموجع، ولتلك الحكايات والقصص والاشكاليات والنرفزات والمناكفات السياسية العصبية،التي تصبح فجأة، أشواقا وتمنيات ستتلاشى مع الوقت… لصالح إستمرارية الحياة والذكريات…

father00

يقولون إن أصعب إمتحان في الحياة هو الموت، لكن أحيانا يكون الموت إما نصراً أو هزيمة، وفي هذه الحال ،وفاة أبي، فإنني اعتبر إن  الموت قد إنهزم ، أمام شخص عاش طيلة حياته حاملاُ  اوجاعه، ومات حاملاً  معه أحلامه. مات وهو لا يزال يحمل كل أحلامه وأحلامنا ، التي تبددت وتكسرت ومضت… لكنه رفض التسليم، ورحل وهو على أمل بأنهم قادمون للتحرير الذي لم يأت ابداً.

كان للموت معه جولات كثيرة، منذ ما يزيد عن ثلاثة عقود من الزمن، لكنه إختار أن ينتصر، فقد إمتلك إرادة غريبة في حبه للحياة، حبه للوجوه حوله، حبه لأحلامه، لكل الأشياء خاصته وخاصتنا، كان يكبر بما ننجزه من نجاحات، ونُصغرُهُ بما نقترفه من حماقات وأخطاء وهفوات وهي عديدة وكثيرة.

كان حلمه حياً،  في انه سيموت قريبا جدا من الشام، التي تبتعد عنه، والوطن الجميل الذي غاب .. كان يرغب جدًا بالموت ، بعد أن يقدم الامتنان الى أولاد العم  ابو يوسف سالم أبو سمره في حي باب توما في دمشق على رعايتهم له واحتضانهم له في بيتهم في جباثا الزيت خلال سنوات دراسته الابتدائية، قبل ان تحدث النكبة والتهجير قبل أكثر من ثلاثة وخمسين عاماً….

كان سيقول للخالة ام يوسف مريم .. والاخوات سميرة وسامية أبو سمرا.. والاخوة سمير وميلاد وعيسى وداوود وإبراهيم ويعقوب أبو سمرا ، كم يشتاق إلى العم أبو يوسف سالم، والى صديقه يوسف الذي رحل،  كم كانت ذكرياته معهم قوية راسخة، وكم يشتاق اليهم، وللذين مضوا  منهم قبل أن يودعهم…

ساخبر صديق طفولتك وشبابك العم ابو شادي فؤاد  شحاذه في غربته القسرية، انك كنت تستحضره وتستذكره، وساقول له ان عيناك كانت تخونك حين  كنتما تتحدثان، سأخبره  إنك اخبرتني عن رحلاتكم بين أشجار التين التابعة للمرحوم خزاعي رباح في الشميس.وسأخبره إنك كنت تحكي بلغة الدموع حين تستذكر رفاقكم المرحوم ابو رؤوف سليمان المرعي، وابا نبيل علي المرعي، وساخبره إنك كنت تخشى أن يفشي أسرار مغامراتكم وهفواتكم،وحكايات حبكم وعشقكم الطاهرة، التي سأبفى أعتز بها . … وسأبحث با أبي  عن رفيق شبابك محمود النمر” ذيب” من بلدة عين فيت، وساريه الصورة التي طالما تفاخرت بالذكرى التي تحملها…

يقولون انه حين يشيخ المرء ويقترب الموت منه،  فإنه يستعيد بقوة ،صباه وشبابه، وأبي مات صبيا وهو إبن الخامسة والثمانون.. نحن لا ندرك قيمة ما لدينا من دفء وحب وجمال وأفراح، إلا حين نفقدها، وقد منحنا من تلك القيم الكثير، لكنني لم أدركها إلا حين كان جسده باردا …

لن أبكيك أبي. لكنني سأستحضرك كثيرًا. سأبقى أضحك، وسأبقى أحلم بصمت، خوفا  من أن تتكسر احلامي أمام اولادي.  ولا قوة ولا قدرة لي، على ترميمها أمامهم، كما كنت تفعل أمامنا… كانت عصبيتك وانفعالاتك  وصياحك وصوتك العالي، وأنت ترمم أحلامك دليلا على إحساسك بالغضب .. بالعجز .. بالخذلان..فالوطن خذلك. وكذلك نحن خذلناك. وحدها إرادتك  أنت، كانت الأقوى…

لا أستطيع أبي، أن أكون واثقا الان، إن كنا تجسيداً أم نقيضاً  للمثل الذي قالته الاعراب قديماً بأن ” الاب يستطيع العناية بعشرة أبناء، لكن عشرة أبناء لا يستطيعون العناية بأب واحد.” في كلتا الحالتين فإنني سأطلب السماح والمغفرة منك ..لكنني  لن أنسى لحظة واحدة ما كنت تقوله لي على شبك الزيارة في المعتقل الاسرائيلي خلال زياراتك القليلة بعد أن خذلك جسدك بالامراض والاوجاع،” هذا السجن  غدار، فلا تجعله يغدر بك” لكن السجن لم يستطع ان يغدر بنا، بقدر ما غدر بنا الوطن الوهمي الذي يسكننا يا أبي …. وكنت تغضب وتغضب تحاول ترميم الحقيقة الموجعة

إرحل ابي. فأنا لم أكن أعرفك تماما، لبعدي عنك سنوات طويلة، لربما لست سرك  (كما يقولون الابن سر أبوه )… لكن كل من عرفك، بكاك اليوم  مرة بصمت، وفي ضجيج مرات، ،وأستحضر كل تلك  الذاكرة التي صنعتها أحلامك ، ورسمتها انفاسك،وجبلها كبرياؤك فينا ،  وحفرها جسدك المثقل بالجراج،التي كانت ضريبتك القاسية والمؤلمة في تأدية واجباتك الوطنية تجاه اهلك واخوتك  وأحبتك وعوائلهم منذ رحلات الاعتقال الأولى  في السجون الإسرائيلية، وجولات التنكيل والتعذيب بك ، والحواجز العسكرية الإسرائيلية، التي حفرت إسمك على شِباكها وأسلاكها ،على مدار سنوات ، لكنها َصغرت كلها  أمام إرادتك وقوة تحمُلك وصبرك…وقدرتك على تحمل بُكاؤنا وخوفنا عليك، حين كنا  أطفالا صغار…لن أستطيع ان أنسى يوماً ضريبة مواقفك وعنادك حين كنت تنتظر المسافرين بلهفة،لتؤمن بعض احتياجاتنا، ويتجنبون  السفر معك لخشيتهم من  ان  يتعرض لك الحاجز العسكري، فيتأخرون عن اعمالهم ،أو العودة الى بيوتهم ….فكنت تبتسم في حضورهم، ويدمي قلبك حزناً..

إرحل بأمان أبي …فأنت تدرك جيداً ، أنك أديت الأمانة والرسالة التي حفظناها، وننقلها الى أبناؤنا، بإن  أحلامك ستعود وتحيا طال الزمن أم قصر… إرحل بإطمئنان أبي …فأنت لاتزال تمارس الحياة معنا …في موتك ،كما في حياتك.

لامي… تلك التي تستحق القداسة .. لاخوتي.. لاخواتي وعوائلهم، حفظتم الامانة، وأديتم الرسالة… فابكوه  بفخر، واستحضروه بعزة  ووقار وأمان.. فهذا هو أبي..عاش في حياته جميلا ،ورحل  في موته  جميلا

أطال الله في أعمار الجميع

توفي أبي  صباح اليوم (السبت 13/3/2021)  عن عمر ناهز الـ 85 عاماً. وشييع جثمانه إلى مثواه الأخير في مقبرة البلدة عند الساعة الـ 15:00 بعد ظهر اليوم.

 

للمزيد اضغط هنا …. هايل نعمان ابو جبل – أبو ناصر- من الارشيف

عن astarr net

شاهد أيضاً

candle

وفاة الشيخ أبو بهاء مهدي زيدان من عين قنية

وفاة الشيخ أبو بهاء مهدي زيدان من عين قنية عشتار  نيوز للاعلام/ وفيات 24-03-2021   …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: النسخ ممنوع !!