الأربعاء , سبتمبر 22 2021
الرئيسية / قضايا وتقارير / مداخلة للفنان السوري فهد الحلبي: سجلات بصريّة لمأساة شعب والتقاط إرهاصات الأمل
fahed halabi (1)

مداخلة للفنان السوري فهد الحلبي: سجلات بصريّة لمأساة شعب والتقاط إرهاصات الأمل

 مداخلة الفنان السوري فهد الحلبي: سجلات بصريّة لمأساة شعب والتقاط إرهاصات الأمل

مركز حرمون للدراسات المعاصرة 

سجلات بصريّة لمأساة شعب والتقاط إرهاصات الأمل

خصص مركز حرمون للدراسات المعاصرة ملف هذا الشهر للفنّ التشكيليّ السوريّ في سنوات الثورة التي اندلعت في منتصف آذار/ مارس 2011، ليستبدل بعدها كثير من الفنّانات والفنّانين السوريّين موضوعات تحاكي قصص البشر مع ويلات الحرب، وتطلّعات الناس المشروعة إلى الحرّيّة والكرامة والخلاص، بموضوعات أعمالهم التي كانت تحاكي الطبيعة والإنسان وذاكرته وتفاصيله الحميمة…. من بين الفنانين استضاق الفنان السوري ابن الجولان المحتل فهد الحلبي

مداخلة الفنان السوري فهد الحلبي: الانتماء عن بعد

fahed halabi (1)

لأنني من مواليد قرية مجدل شمس في الجولان السوريّ المحتلّ، أود الإشارة إلى أنّ علاقتي بسوريّتي بوصفها أحد مركّبات هويّتي ليست مفهومة ضمنًا، فهي تختلف إلى حدٍّ معين عن علاقة السوريّ الذي ولد وترعرع في قلب الوطن السوريّ المحتلّ أيضًا، لأنّني للأسف لم تسنح لي الفرصة يومًا لأزور سورية إنّما تعرفت إليها من خلال عائلتي أوّلًا، وعن بعد من خلال صيحات الأهل على جانبي خط وقف إطلاق النار الفاصل بين الجولان المحتلّ والوطن الأم، وأخبار الأقارب الّذين نزحوا إبان حرب حزيران/ يونيو المشؤومة التي ولدت بعدها ثانيًا.

سورية، وطنًا ودولة، كانت بالنسبة إلي صورة نوستالجيّة لوطن متخيّل ومفقود، يعيش فيه أبناء شعبيّ الّذين لا أعرف أحدًا منهم شخصيًّا، باستثناء عدد من أقربائي الّذين أُجبروا على النزوح أفي ثناء الاحتلال الإسرائيليّ للجولان في ١٩٦٧ وما يزالون يعيشون هناك، وعلى هذا الأساس فإنّ علاقتي بالثورة السوريّة ربّما تختلف عن علاقة السوريّ المولود في داخل الوطن، فمن الطبيعيّ أنّ الشعور بالانتماء إلى سوريّتي موجود لكنّه يختلف عن شعور ابن الشام بسوريّته، وهذا ينسحب بالتأكيد على إنتاجي الفنّيّ، سواء قبل الثورة أم بعدها، ولكن من المهمّ القول إنّ الثورة السوريّة جدّدت لديّ سؤال الانتماء، وبدأتُ كباقي أهل الجولان المحتلّ أتعرف أكثر فأكثر إلى مدن وطني وبلداته وقراه، من خلال وسائل الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعيّ حيث يجري نقل أحداث الثورة، وطبعًا اختلفت سورية ما قبل الثورة عمّا بعدها.

قوّت الثورة السوريّة لديّ الشعور بانتمائي إلى الوطن فعليًا، وتعرفت من خلالها إلى سورية الحقيقيّة التي قرّر شعبها الانتفاض في وجه الذل والهوان.

العامل الثاني الذي عزز شعوري بالانتماء إلى سوريّتي هو الغربة التي أتاحت المجال لي للالتقاء بأبناء وطنيّ السوريّين بلحمهم ودمهم، فمن خلالهم عرفت سورية عن قرب، وبخاصّة أنّني لم أتمكّن من الالتحاق بالجامعات السوريّة كما فعل مئات من أبناء الجولان المحتلّ عندما أتيحت لهم الفرصة للدراسة في جامعات بلدنا الأمّ في سنوات التسعينيات وما بعد سنوات الألفيّة بقليل، بسبب تعرّضي للاعتقال السياسيّ في سجون الاحتلال الإسرائيليّ مباشرة بعد نهاية دراستي الثانويّة.

fahed halabi (2)

 عمل فني للفنان فهد الحلبي 

مهما كانت طبيعة علاقتي بوطني وأبنائه، فإنّني أؤمن بالناس المظلومين التوّاقين إلى الحرّيّة والعيش الكريم أينما كانوا، الناس الّذين قدّموا الغالي والنفيس في سبيل حرّيّتهم وكرامتهم، فما دام ظلّ الظلم موجودًا سيستمرّ الناس في الدفاع عن وجودهم وحقّهم في الحياة الكريمة حتّى لو مالت موازين القوى لمصلحة نظام الطاغية الأسديّ.

نعم، لقد قُمعت ثورة الشعب السوريّ بأقسى الأساليب والطرائق وأبشعها، وتآمر عليها كلّ العالم، فلم تعرف أيّ ثورة في التاريخ حجم القتل والتآمر والتدمير الذي عرفته الثورة السوريّة التي واجهت أقذر وأعتى نظام عرفته البشريّة الذي استعان بحلفائه الطائفيّين والدوليّين في سبيل بقائه.

بالمنظور القريب، للأسف، فإنّني لست متفائلًا بأن يتغيّر الواقع وتنقلب الموازين لمصلحة الشعب السوريّ وثورته، فحجم الدمار البشريّ والإنسانيّ والاجتماعيّ والاقتصاديّ الذي حلَّ بسورية وأهلها من المستحيل تعويضه في المدى المنظور، وبداية الحلّ تتجسد في رحيل الطاغية وتحرير سورية من حلفائه وأذنابه، وتغيير المعادلة الدوليّة لمصلحة الشعب السوريّ وهذا ما أستبعده أيضًا في المستقبل القريب.

إنّ ما جرى ويجري في سورية شكّل بالتأكيد دافعًا مهمًّا لإنتاج أعمال فنّيّة جديدة، على الرغم من أنّ الإنتاج الفنّيّ بالنسبة إلي لا يكون ردّة فعل ميكانيكية على حدث أو مأساة ما، بل يأتي ردّة فعل مركّبة من الدرجة الثانية، إن صح التعبير، فالعمل الفنّيّ كنصٍّ بصريّ يعكس هموم الواقع ولكن بشكلٍ غير مباشر وتقريريّ أو توثيقيّ، لأنّ هذه وظيفة الصورة الفوتوغرافيّة والفيديو أو التقرير الصحافيّ وليست وظيفة العمل الفنّيّ.

العمل الفنّيّ بحاجة إلى خطوة إضافية للتفكير من أجل إعادة إنتاج واقع جديد وظيفته طرح أسئلة وطرائق رؤية جديدة عن الواقع وتجاهه. فهو يدمج -إلى حدٍّ معين- بين توثيقيّة الصورة وما تراه العين وقصصيّة الحكاية وما يحيكه الخيال، إضافة طبعًا إلى المواد والتقنيّات بوصفها وسائط بصريّة تحتاج إلى معالجة خاصّة في كلّ مرحلة من مراحل الإبداع.

على الرغم من كثافة الإنتاج الفنّيّ منذ بداية الثورة، لا يستطيع الفن مجاراة حجم المأساة وهولها، لأنّ المأساة السوريّة بعمقها وسوداويتها وكثافة أحداثها فاجأت حتّى أبناءها، والعمل الفنّيّ الجيد بوصفه وثيقة تاريخيّة تنظر إلى المستقبل؛ يحتاج إلى وقت أكثر كي يختمر، وما حدث في سورية سيبقى يشغل المبدعين سنوات طويلة مقبلة، وهذا لا ينفي وجود كثير من الفنّانين الّذين استطاعوا أن ينتجوا أعمالًا فنّيّة تواكب الأحداث، وكثير من الفنّانين أيضًا لم يتفاعلوا مع الأحداث بشكلٍ مكثف ومباشر، لكنّنا -ربّما- سنرى ذلك أكثر في نتاجاتهم في المستقبل، لأنّ توقيت عمليّة الإنتاج الفنّيّ مسألة شخصيّة تتفاوت بين فنّان وآخر.

في ظلّ هذا الحجم من الدمار والموت فإنّ كلّ عمليّة إبداعيّة تتجاهل هذه المأساة لا تعد إبداعًا ولا فنًّا، لأنّ القيمة الأساسيّة والأولى للفنّ أن يكون إنسانيًّا. ومن الصحيح طبعًا أنّ الفنّ التشكيليّ، وكافة مجالات الإبداع الأخرى، لا تستطيع تغيير مجرى الأحداث على أرض الواقع، إذ من المستحيل أن تقاوم الريشة البندقية، إلّا أنّها تستطيع لاحقًا أن ترسم ما فعلته البندقية وتبقيه شهادة للأجيال القادمة.

ما دام الهدف الأساسيّ للفنّ أيّ فنّ إنسانيّ -بمعنى خدمة القيم الإنسانيّة العليا كالعدل والحقّ- فإنّ ما أحاول أن أقدّمه من خلال أعمالي الفنّيّة يتماشى مع هذه القيم من منظور شخصيّ، وهو نابع بالتأكيد من تجارب شخصيّة تتقاطع مع الهمّ العامّ، فبالنسبة إلي بصفتي فنّانًا من أبناء الجولان السوريّ المحتلّ أكملت دراستي الأكاديميّة في جامعات الاحتلال الإسرائيليّ، وكان سؤال الهويّة هو السؤال الأوّل الذي شغلني وما يزال يشغلني، وبخاصّة لأنّي ابتعدت جغرافيًّا عن مسقط رأسي، وفكريًّا ونفسيًّا عن مكوّنات هويّتي الأوّليّة.

سؤال الهويّة لدي يتغيّر دائمًا، لأنّ مفهوم الهويّة متحوّل ومتحرك دائمًا أيضًا، ففي أثناء مدة دراستي كنت أعيش بين عالمين متناقضين، بل متصارعين على كلّ الصعد، وكنت أشعر أحيانًا بالاغتراب على الرغم من وجودي الفيزيائيّ في بلدي.

تشغلني مسألة العدل والمساواة في ما يتعلق بالمرأة ومكانتها في مجتمعاتنا التي ما تزال محافظة وبطريركيّة المبنى، وهذا الانشغال يقودني بالطبع إلى التعامل مع الدين بوصفه مركّبًا أساسيًّا لهويّتنا وعاملًا مهمًّا في تركيب ثقافتنا، وانعكاسات هذه الثقافة على مكانة المرأة والرجل على حدٍّ سواء.

على صعيد آخر، كلّ فنّ -في رأيي الشخصيّ- هو سياسيّ يعكس النمط الفكريّ والمستوى الاجتماعيّ والثقافيّ لمنتجه.

لا أؤمن بالفنّ من أجل الجمال والفنّ فقط، لأنّ الطبيعة منحتنا الجمال المطلق. لذلك ليس من الضروري أن تكون الغاية العليا للفنّ هي الجمال إنّما يمكن أن يكون الجمال من مزايا العمل الفنّيّ الذي يهدف أحيانًا إلى التعبير عن واقع صعب سوداويّ وملحميّ كما هو حال الثورة السوريّة التي أثّرت بالطبع في أعمالي وأعمال عدد من الفنّانين السوريّين وغيرهم، حتى أمكننا إدراك نقطة التحوّل للفنّ السوريّ المعاصر ما قبل بدء الثورة وما بعدها، فقبل الثورة كان كثير من الفنّانين السوريّين يعالجون قضايا الفنّ بالفنّ، ولأجل الفنّ، وينشغلون بقضايا التشكيل بهدف التشكيل. إذ كانت لغة الفنّ في أغلبها منطوية على ذاتها تعيش حالة مأزومة من الحداثويّة المستوردة.

أمّا الموضوعات الاجتماعيّة والسياسيّة كان يجري تناولها رمزيًا وبخجل، وهذا بسبب الظروف الأمنيّة التي فرضها وما يزال يفرضها نظام الأسد.

أمّا فنّ ما بعد الثورة فقد كسر حواجز الخوف أيضًا، لا بالمفهوم السياسيّ وحسب، بل على صعيد الوسائط الفنّيّة واللغة التشكيليّة المستخدمة أيضًا. وكما يعرف الجميع، إنّ الشرط الأساسيّ للعمليّة الإبداعيّة هو الحرّيّة، والحرّيّة هدف الثورة الصميم، لذلك ارتبطت العمليّة الإبداعيّة -تصاعديًا- بالحالة الثوريّة، خصوصًا لدى الفنّانين الّذين استطاعوا الخروج من سورية إلى أوروبا وغيرها من بلدان العالم، حيث وجدوا مساحة الحرّيّة الكافية للاستمرار في إبداعهم.

على الصعيد الشخصيّ، كانت أعمالي ما قبل الثورة تتمحور حول مسألة الصراع العربيّ الإسرائيليّ داخل فلسطين المحتلّة، وكلّ مركّبات هذا الصراع كالهويّة والحالة الاجتماعيّة والاقتصاديّة والسياسيّة التي يعيشها العربيّ الفلسطينيّ أو السوريّ في داخل دولة الاحتلال.

أمّا بعد انتقالي إلى العيش في الغربة فالموضوعات التي تشغلني بدأت بالطبع تتغيّر، ونظرتي إلى الموضوعات ذاتها التي تشغلني بدأت تتغيّر أيضًا، لأنّ الواقع تغيّر وبتُّ أرى العالم والأشياء بمنظار آخر، وتزامن اندلاع الثورة السوريّة مع بداية انتقالي إلى العيش في المهجر ولقائي الأوّل مع السوريّين اللاجئين الّذين ما تزال جروحهم مفتوحة وساخنة، فشعرتُ من خلالهم ومعهم بمعنى الانتماء والوطن والخسارة والشتات، ولسخرية الأقدار كان لقائي الأوّل بأخي السوريّ الثائر الحقيقيّ الذي أراد استعادة كرامته بصفته إنسانًا ومواطنًا في المنفى وليس على أرض الوطن.

مع كلّ قساوة المنفى وصعوبة البدايات، إلّا أنني أعتقد أنّ الغربة أعطتني حيزًا من الحرّيّة لإعادة التفكير بذاتي، بهويّتي وإنتاجي الفنّيّ، وبدأت أتطرّق في أعمالي إلى موضوعات جديدة ومغايرة كموضوعات الشتات واللجوء، الحياة والموت، الاقتلاع والدمار. وموضوعات إنسانيّة تتعلق بالعنصريّة اليوميّة الناعمة وغيرها من موضوعات، كموضوع اللغة الذي هو أحد تجلّيات الهويّة الشخصيّة والجمعيّة.

أعتقد أنّ كلّ وسيط فنّيّ قدّم ويُقدّم للثورة بطريقته الخاصّة، فكانت الصورة والفيديو الأسرع والأكثر كثافة وكفاءة في مجاراة أحداث الثورة، توثيقها ونشرها يوميًا. أمّا اللوحة كان عليها أوّلًا أن تجمع المواد الخام وتدخل إلى المحترف مع كلّ ما يحمله منتجها الفنّان من أفكار وهواجس، لكي تحدث عمليّة طبخها وإخراجها إلى العالم بصورة لائقة. كذلك الأمر مع القصّة والرواية والمسرحيّة والفيلم.

في خلال العقد الأوّل من عمر الثورة السوريّة رأينا كثيرًا من الأعمال الفنّيّة الرائعة، الأفلام القصص والروايات، لكنّنا بالتأكيد سنشهد كثيرًا أيضًا من الإنتاجات الفنّيّة السوريّة الرائعة مستقبلًا، ففي النهاية الثورة عمل من أجل المستقبل.

 للمزيد حول الفنان السوري فهد مهنا الحلبي إضغط  هنا 

 

عن astarr net

شاهد أيضاً

nazeh brik

قراءة أولية في كتاب “الجولان عصِيٌّ على النسيان”

قراءة أولية في كتاب “الجولان عصِيٌّ على النسيان“ د. نزيه بريك \ الجولان المُحتل   …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: النسخ ممنوع !!