الأربعاء , سبتمبر 22 2021
الرئيسية / اخبار سياسية / الاخبار / اخبار محلية / قضايا المجتمع / هذيان في أيام الثورة.. معركة السكرة
nabeeh-halabi

هذيان في أيام الثورة.. معركة السكرة

هذيان في أيام الثورة…معركة السكرة

عشتار نيوز للاعلام/ مقالات / الثورة السورية الكبرى

بقلم: نبيه الحلبي

10-9-2021

يجثو على صدر جبل الشيخ ليلٌ ثقيل , يخشى أن تمنع عتمته عن الأهالي من أن يروا عدوهم بين البيوت وفي أزقة حارات مجدل شمس , فجيش فرنسا يحاصرهم , يتربص بهم , ولا يكف عن قصفهم بطائراته ومدافعه ودباباته.

هو الشر الثاني , هكذا يسمون معاركهم مع المستعمر الفرنسي  فالشر الأول هزموه , وها هم يواجهون الثاني , وهم على يقين بأنه لن يكون الأخير.

ريحٌ من مُر الأيام تلفح وجوه الثوار المتمترسين من منطقة الشميس غرباً حتى منطقة السكرة شرقاً . خلف ظهورهم جرحاهم وأعراضهم وأطفالهم . أودعوها أمانة في حضن جبل الشيخ الذي يغطي ظهرهم .  ولا يعلم إن هو يحميهم أم هم يحمونه .

وضابط الحملة الفرنسية ينشر مدافعه ورشاشاته على ريف بركة رام الشرقي وسهل اليعفوري . ينظر صوب التلال المحيطة بمجدل شمس . يداعب طاقيته وأمامه آلاف الجنود الذين أرسلهم له  الانتداب الفرنسي ليكسر بهم شوكة ثوار إقليم البلان ويقضي عليهم .

هم ناوروه عندما بدأ بالتقدم بدباباته وخيالته ومشاته من منطقة القنيطرة صوب قرية بقعاثا فدخلها وأحرق بيوتها . فانسحبوا أمامه ولحق بهم إلى سهل مسعدة فأعدوا له الكمائن وناوروه . فنظم صفوفه واقتحم مسعدة وثم عين قنيا وسحيتا . والثوار بين كر وفر ونصب الكمائن . حتى كان لهم ما يريدونه . فتحصيناتهم على تلال مجدل شمس بانتظارهم  جاهزة للقتال.

لو كان يعلم ما خبأ له الثوار ما تقدم ولا حارب على أرضهم ولا خسر طائرة وعشرات الدبابات ومئات القتلى من جنوده.

هم والتاريخ أقارب . يراقبهم . ويكتب عنهم بخجل . يعلم أنهم أبناء هذه الأرض وملحها . يسكنون المرتفعات حيث يصعب على الظالمين النيل منهم . فهم من حارب الصليبيين من على قراهم الجبلية وقاتلوا العثمانيين وفرضوا عليهم دولتهم وثبتوا أقدامهم في أرض تعشقهم . وها هم متشبثون بصخور جبل الشيخ يزيدونها صلابة وتزيدهم عزيمة . والجيش الفرنسي صار تحتهم والصعود إليهم أصبح انتحاراً وهزيمة نكراء ما زال الضابط الفرنسي لا يدرك أنها بانتظاره .

10-9-202101

والطائرات تذهب وتعود من جديد حاملة معها موت أحمر تنزله على البيوت الحجرية بساكنيها وعلى تخوم المجدل. تحاول قتل المزيد وكسر روحهم المعنوية وعزيمتهم . والنسوة يخبئن أطفالهن بحضنهن وفي أفواه الصخور و الكهوف . وعيونهن ترنو إلى أزواجهن وأبنائهن وإخوتهن على جبهة القتال . لا يعلمن من منهم سيعود ومن سيسلم روحه لخالقه .

سدوا مداخل المجدل بالصخور . وأحكموا الكمائن . وأرجعوا الخيالة والفرسان إلى سهل البيادر .بانتظار الإشارة . بنادقهم مصوبة صوب السهل . يقتنصون كل من يتقدم نحوهم . تحميهم صخور تلتي الشميس والريحاني .

والمدافع الفرنسية لا تهدأ إلا قليلا وتُبقي أهل حرمون بلا نوم وحتى بلا بكاء . فلا وقت للنحيب على من استشهدوا . فالموت على الأبواب . ومن لا أم له تنجبه سينجو ويعيش ليحكي عن الموت الذي كانوا يلاعبوه ويتجنبوه .

في اليوم الأول للشر الثاني ظنها قائد الحملة نزهة جبلية . فتلقى جنده من شتاء الرصاص ما أهلك العشرات منهم .          فارتدوا يحمل أحياؤهم قتلاهم وجرحاهم . وأمر بالمزيد من القصف . ونام ليلته يلوك حيرته .

وفي اليوم الثاني تقدم بالدبابات . فتعثرت بالصخور وصارت هدفا سهلا للقنا صين . فكلما أطل جندي برأسه منها رحبت به رصاصة ثائر . فيعود لبين رفاقه ببطن الدبابة قتيلا . فانكفأ يعيد حسابات الاقتحام .

في اليوم الثالث قرب الرشاشات والمدافع من التلال التي يتمترس بين صخورها الثوار . عله يغلبهم ويدفعهم إلى التراجع لبين البيوت فيعتلي هو التلال  ويصبح الثوار وعائلاتهم تحت قبضته . لكنه فشل . ونجح الثوار برده وتكبيده المزيد من الخسائر . فهم أقسموا أنه فقط على جثثهم سيسمحون له باقتحام المجدل . ولن يهدوه أفضلية القتال من المكان المرتفع .

في اليوم الرابع قرر إرسال الخيالة والمشاة إلى مرتفع القاطع الواصل إلى تلة الشميس . ضاناً أن ذلك سيمنحه القدرة على كسر التحصينات الغربية للبلدة واقتحامها . لكن سلمان إبراهيم ومجموعته المتقدمة صوب القاطع كان لهم رأي آخر. فهم كانوا يراقبون اعتلاء خيالة العدو ومشاته للقاطع . فأدركوا مراده وتجهزوا له . قاوموهم وحاولوا منعهم من التقدم صوب مواقعهم في تلة الشميس .  لكن أعداد المهاجمين كبيرة والمدافع بقذائفها ركزت قصفها عليهم . والرشاشات البعيدة لا تسمح لهم بالتقاط الأنفاس . اصطادوا منهم الكثير لكن التقدم بأمر من الضابط لم يتوقف . فقرر الثوار التراجع إلى خط الدفاع الثاني بالشميس . لكن سلمان رفض وبقي مختبئا بين صخرتين ينتظر الاشتباك بالسيف . فقفز إلى جانبه شاب لم يتركه وحيداً . فطلب من الفتى التراجع . فلم يصغي لرجائه . لم يعرفه . ولا وقت للسؤال عن اسمه ومن أي بلد هو . فكل الثوار من كل القرى المحاربة صاروا جسداً وروحاً واحدة.

لم يمر كثير من الوقت حتى قفز سلمان ورفيقه لبين الجنود المقتربين . وصار السيف يجول في الرقاب والبطون . لكن العديد غلب الشجاعة وسقط الرفيقين شهيدين وسط عشرات البنادق والحراب التي اجتمعت عليهما من كل الجهات . ورأى الضابط الفرنسي أن خطته بدأت تنجح . فأمر بتكثيف القصف على تلة الشميس وخاصة طائراته التي بدأت تقترب شيئا فشيئا من ثغور الثوار وتحصينا تهم لحصدهم . وأحد الطيارين قاده غروره وحب القتل المتأصل في دمه فدار دورة أخرى مقتربا أكثر . فكانت المفاجأة أن خرج له الثوار ببنادقهم من بين شجيرات منطقة  اللباطة  فوق مجدل شمس ليمطروا طائرته المهاجمة برشقات رصاصهم  . فيصيبوها  بمقتل . فتسقط مشتعلة فوق الجنود المهاجمين . فصُدم الضابط من المشهد المرعب . فالثوار جهزوا فرقة لاقتناص الطائرات وضعوها فوق القرية .  في بطن جبل الشيخ لتستفيد من اقتراب الطائرات التي تقصف المجدل . فيصطادوها ببنادقهم المتواضعة.

ومشهد احتراق الطائرة وسقوطها وتهليل الثوار غير من روح المعركة . فقاد الثوار هجوماً معاكساً لاستعادة مواقعهم في الشميس ففر أمامهم الجنود مذعورين  ليجدوا جسدي الشهيدين سلمان ورفيقه تحت كومة جثث قتلى الجيش الفرنسي .

فشلت خطته لاعتلاء تلة القاطع . وانكفأ جيشه لليوم الرابع على التوالي . وقرر أن لا يرد على الرسائل التي تصله من قياداته في دمشق وبيروت تسأله إن هو أنهى تمرد ثوار الإقليم . فلا كلام ينفعه ليبرر هزائمه المتتالية . فعليه حسم المعركة قبل مواجهة قياداته .

هو صباح اليوم الخامس للمعركة . ارتوت صخور تلال المجدل من دماء المتحاربين ولم تشبع بعد . وسهل اليعفوري ضاق ذرعا بأجساد الغرباء الغازين . والضابط الفرنسي قرر أن يركز هجومه وبكل ما يملك ليفك عقدة مداخل المجدل في السكرة والبواب . وفهم الثوار وجهة عدوهم الجديدة فزادوا من عدد الصخور التي تسد المداخل علها تساهم في عرقلة الدبابات ليتمكنوا من وصولها وحرقها . وبدأ القصف باكرا وبكل أدوات الحرب التي جلبها معه لإنهاء كابوس ثوار الإقليم  وزادت الإصابات بين الثوار . وكان كل من يصاب بشظايا القذائف يلف جرحه ليوقف النزف . ويكظم ألمه . ويعود مسرعا لموقعه ليحارب بما تبقى له من دم في جسده المرهق .

واشتد القصف ظهراً . وعلم الثوار أن وقت الاقتحام اقترب . شُدت أخامص البنادق على الأكتاف . واستُلت السيوف وشُحذت الخناجر . والفرسان خلف التلال متأهبون لكل اختراق للعدو لمداخل البلدة .

وبدأت الدبابات بالتحرك والصعود صوب مداخل البلدة ومن خلفها الخيالة والجنود المشاة . فحط في عيون الثوار هدوء شرس . فلا تحرك أو كلام حتى يصطادون أولا عامل المسافة في القتال ويمنعون عن العدو من استعمال أسلحته الثقيلة والمتوسطة . فالاشتباك المباشر والقتال بالسيوف هو ديدنهم وميدانهم . وصار الجند في مرمى رصاصهم . فراحوا يقتلون أفراد الصف الأول ويحاولون إصابة الدبابات لعرقلة تقدمها والتي بدأت تصطدم بالصخور وتحاول إزاحتها لفتح الطريق لدخول الخيالة والمشاة .

هي اللحظة المناسبة الآن لملاعبة الدبابات وحرقها . والثوار في مدخل البواب بدأوا بالهجوم على المتقدمين وإحراق الدبابات المتعثرة بين الصخور . ومحمود كنج وبعد أن نفذت ذخيرته استل سيفه وبدأ بالاشتباك مع الجنود المختبئين خلف الدبابات يُعمل السيف بصدر من واجهه ويضرب أعناق من أداروا  له ظهرهم هاربين من وجهه . يتقافز بين الصخور والدبابات . فيلمح تقدم دبابة أخرى أتت لمساندة رفيقاتها. ورشاشها يلاحق الثوار في حركتهم . ومواقع تمركزهم . وهو لا يملك لإسكات هذا الرشاش سوى سيفه وخنجره وسرعته في الوصول إلى مُشغله . صُراخه ونخوته للثوار فجأة توقف . قد خانته المسافة . والرشاش أصابه بصَليةٍ من رصاص . ظل يحاول التقدم بما تبقى له من أنفاس . لكن استشهاده سبق وصوله لعنق الدبابة .

تعالت تكبيرات الثوار بعد أن رأوا محمود شهيداً . وخرج جميعهم للقتال بالسيوف والخناجر .والنبأ وصل للثوار المتحصنين في مدخل السكرة . والقتال اشتد على التلال وصار الثائر يواجه عشرة . والشجاعة تقاتل الكثرة . ووصلت الدبابات إلى صخور السكرة وصار الرصاص يطلق من مسافة الصفر .

وفي موقعة السكرة حدث العظيم من القتال . ينخي من معه من الثوار الشيخ صالح شمس ويهجم بسيفه على أول دبابة مقتحمة ويسد بوز مدفعها بعمامته البيضاء فيخرسه . ويعمل خنجره برقاب من فيها من جنود . وصار الاشتباك على أشده وذهول الجنود الفرنسيين لا ينجيهم من موت محتم على أيدي هؤلاء المقاتلين الذين لم يواجهوا مثلهم من قبل . والدبابة المتأخرة صوبت مدفعها نحو هذا الشيخ المغوار وأطلقت قذيفتها . وكأنه لا يسكت هذا الأسد الجسور سوى قذيفة مدفع . استشهد وتطاير جسده الطاهر مئات الأمتار حتى وصل بعض منه لعين القصب . والثوار من حوله صاروا يقاتلون بالخناجر والبلطات  من على ظهور الدبابات . فقتلوا العشرات. ومنصور عماشة ومنصور زهوة  صارا يحاولان الوصول إلى الدبابات المتأخرة علهما يسكتان الرشاشات التي تلاحق الثوار على تلة الريحاني .  فسقطا شهيدين.

والتلال امتلأت بتقدم الجنود . كأنهم جراد يفتك بكل حياة يصلها . واستبسل الثوار في سد ثغور المجدل . لكن الكثرة والقصف المكثف من الدبابات والمدافع والطائرات والرشاشات الثقيلة اجبر الثوار على اخذ مواقع جديدة . وجاء دور الفرسان الذين انطلقوا يواجهون المتقدمين من الخيالة والجنود الفرنسيين صوب سهل البيادر والزراعة والغدارين . واشتدت المواجهة والقتال صار بين كر وفر .

وفجأة … انطلقت زغرودة من بين ركام أحد البيوت التي طالها القصف . وتبعتها زغاريد النسوة والصبايا من كل الحارات والبيوت والكهوف . فمشهد قتال أحبائهن صار أمامهن الآن . والعدو صار على مشارف البيوت . والخناجر بأيديهن جاهزة للدفاع عن أطفالهن وكرامتهن .

والزغاريد صبت في قلوب الثوار ناراً من غضب . والموت في سبيل الأرض والعرض كرامة وحياة .  والذي يُقتل في ظهره غير مرحوم . فهب الجميع يقاتل . وصار الموت يهرب من وجوه الثوار. والفرسان يشقون صفوف المهاجمين ويبعثروهم ويقتلون ما استطاعت إليهم سيوفهم .

والضابط الفرنسي لم يعد يرى ما يجري خلف التلال . ولا يدري أي مقتلة تحل بجنوده . وانكفأ الناجون من جند فرنسا وصارت ظهورهم هدفاً سهلا للثوار . وعاد الثوار لاعتلاء التلال يدوسون جثث الجنود المكدسين على طول جبهة المعركة .

المُصابُ أليم.. والشهداء صاروا بالعشرات . وقائد الحملة الفرنسية لن يتراجع عن اقتحام المجدل ثانية . فاجتمع قادة الثوار في خلوة شطنيل . صاروا يعلمون أن الحملة عليهم مستمرة ولن تتوقف خاصة بعد استقدام هذه القوات الكبيرة . وصار الحديث يدور حول ما إن بقينا في حالة دفاع . أو انتقلنا للهجوم . والكل ينظر في عيني القائد أسعد كنج . وآثار دماء على أصابعه يمسح بها شاربه  ” نعم حان وقت الهجوم ”  قالها واقفل الحديث .  والجميع بدأوا بأخذ مواقعهم . ومنهم من ذهب بعجالة ليودع أطفاله وعائلته . فليس نزهة الهجوم على جيش المستعمر الفرنسي.

ونام الضابط الفرنسي بعدما أكمل خطته للهجوم الأخير على مجدل شمس . فوصوله لسهل البيادر شجعه على التحضير لهجوم أكبر وأوسع . وصار يرى نفسه منتصراً يعرض نجاحه أمام  قيادته في باريس .

وليل الثوار كان طويلاً . فرغ صبرهم وهم ينتظرون انبلاج الفجر ليهجموا .

وفجرٌ صار يزاحم الليل ليرى كيف يقاتل بني معروف . والليلُ يستمهلهُ , أنِ انتظر قليلاً فلا يزالوا يرتبون الصفوف . وعتمٌ تجند ليستر تقدمهم . والخيل في خببها صامتة . فهي تعرف متى تصهل . ومتى تهجم . وكيف تُجهز بحافرها على المحتل أرضها إن سيف فارسها أخطأ مقتله .

والهمسُ المخبأ في الصدور والأرواح صار يُسمع في الصمت الثقيل . فذاك يهمس يا أبو إبراهيم  وآخر يا ناصر الستة على الستين  وآخر يا سريع الندهة  ويا شعيب  ويا سلمان  ويا يعفوري . فينهض من مرقده أبا ذر . من ذا الذي يندهني وأخوتي . ومن ذاك الذي يقرأ الفاتحة على خيله وليس جلوساً . ينظر فيرى صفوف الثوار من أهل التوحيد . يخرجون ليحاربوا محتلهم الجديد  . أوليس هو  من قال ” عجبت لمن لا يجد القوت في بيته كيف لا يخرج على الناس شاهراً سيفه” وها هم أهل الجولان يا أبا ذر . يخرجون شاهرين سيوفهم . يردون جوعهم وظلمهم وغازيهم . والابتسامة تعلو محياهُ .  يقبض على سيفه . أوهل يتركهم يقاتلون وحدهم .

يمزق هدوء السهل صرخة جندي فرنسي . بعدما رأى فجأة ظهور الفرسان الثوار أمامه . والصدمة حطت في قلب الجيش رعب لا يوصف . فانطلق زئير المهاجمين كالرعد يصم آذان الجند المنهكين . والخيل الأصيلة بدأت بالصهيل معلنة بدء القتال . ولا وقت للجنود للتجهز وأخذ مواقعهم . والقتال صار وجها لوجه ورجل لرجل . لا يعرفون أي غضب نزل على رؤوسهم . والقتلُ الدوار بين الخيام والمرابض صار مجزرة . يحاول من له حظ بالحياة أن ينجو بنفسه فارا نحو خيمة القائد . والأخير وقف مذهولاً بين مدافعه ودباباته النائمة . انفجرت عيناه رعبا للمشهد أمامه . مقتلة حقيقية تحل بجنوده . والفجر انبلج  والسهل أمامه انكشف . لقد فعلها ثوار الإقليم . بضع مئات من المقاتلين يهجمون على الآلاف المؤلفة من جيش فرنسا بكامل عتاده . فيلملم بقايا شجاعة في قلبه ويحاول تنظيم الصفوف . لكن دون جدوى . لم يستطع استعمال المدافع والدبابات ولا الطائرات فالجيشين في اشتباك مباشر والثوار اخترقوا صفوف قواته .

يأمر بالانسحاب الفوري نحو سهل مسعدة ليتسنى له ترتيب فرقه وآلياته الثقيلة . فيصل السهل تاركاً خلفه قتلاه وجرحاه وينظر خلفه فيرى أن الثوار انقسموا الى مجموعات . وواحدة بدأت بالنزول من تلة القاطع والحواريث فقطعت نهر سعار وصارت تنتشر بين أشجار السنديان في حرش مسعدة . وواحدة تعلو التلال الشرقية ملتفة حول بركة رام ليطبقوا عليه كفكي كماشة . يستنجد بالطائرات . وطيارٌ يرى اعتلاء مجموعة من الفرسان لتلة  الخواريط  لتدعم اكتمال الحصار . فيترك قصف المجدل ليلاحقهم ويرمي بقذائفه عليهم . ويصاب مع خيله فؤاد بيك سليم ويسقط شهيدا . وهو من كان رئيس أركان الجيش الأردني . والذي رأى أن الفرقة المنتصرة أبداً على المستعمرين هم ثوار الجبل والإقليم . فانظم إليهم يقاتل في صفوفهم يداً بيد . وعلى عجالة دفنه الثوار في مقبرة قرية سحيتا جنب ثوارها الشهداء .

وصار الثوار يطلون على سهل مسعدة من مشارف بركة رام الجنوبية . بريكة والمشرع ونمرة . والضابط صار في حيرة من أمره . ماذا سيفعل أيأمر بالانسحاب مجدداً . أم بالقتال . لكن أرعبته  فكرة أن يصل الثوار إلى تلة القصعة  وبالتالي الإطباق على قواته من كل الجهات . فقرر الهرب وبسرعة صوب بقعاثا قبل أن يقع في فخ الحصار.

ويرى الثوار المنقسمين إلى مجموعات مشهد الانسحاب السريع .  فيسارعوا قبله إلى التلال المحيطة ببقعاثا ليضمنوا تفوقهم في القتال من المرتفعات . والفرقة الغربية وصلت إلى رويسة المحروقة وتل أحمر وانتشرت في كروم العنب والفرقة الشرقية وصلت وتمركزت على التلال الشرقية في عين وردة وصدر العروس . وباقي الفرق أكملت ملاحقة فلول الجيش المنسحب . وما أن اكتمل تجميع قواته في سهل المطخ  ببقعاثا  حتى بدأ الرصاص ينهمر على جنوده من الشرق والغرب والشمال . وأدرك حينها أن الثوار عازمون على إبادة جيشه كاملاً واغتنام أسلحته كلها . فكيف له الآن أن يهاجم الثوار في تل أحمر بدباباته والثوار يكمنون لها بين دوالي العنب التي تسترهم . فإن دخلت دباباته بينهم اصطادوها وأحرقوها . وويله إن أرسلها صوب التلال الشرقية . فالثوار بانتظارها وسينزلون عليها كالكواسر ليفترسونها . فصار يعاجل آلياته وقواته بالاستمرار بالهرب نحو سهل المنصورة . ويرسل بنداءات استغاثة لقيادته بالقنيطرة لحمايته ومده بالمزيد من الدبابات والمدافع . وصار يصرخ فيهم حد البكاء . ويطلب أن يرسلوا قوات إلى تلة الشيخة وتل البرم ليضمن أن لا يصل الثوار إليها قبله .

لكن الثوار لم يمهلوه في الانسحاب وبدأوا بالهجوم على قواته المنهارة . فأمر فرقة الخيالة بالسير خلف قافلته المنسحبة لتحمي ظهر جيشه . لكن الثوار قرروا أن لا يفوتوا فرصة تكبيد الغزاة المزيد من الخسائر .  فقاد ثوار بقعاثا الفرسان هجوما على حامية الجيش الفار في سهل بير الحديد . وهم الأدرى من بين الثوار بمشارب قريتهم وأخاديدها . فلاقاهم الثوار من الغرب والشرق وأطبقوا على خيالة الجيش الفرنسي وأبادوها عن بكرة أبيها . وصار الرصاص يلاحق ظهور المنسحبين . والثوار يحرقون الآليات التي تتعطل وتتعثر في هربها . وتسارع فرقة من القناصين لاعتلاء تلة الشيخة لتراقب انسحاب الجيش الفرنسي ووجهته . ولتحمي الثوار المهاجمين من اقتراب الطائرات منهم لحصدهم .

وصل لاهثاً مرعوباً إلى سهل المنصورة بما تبقى له من آليات وجند وخيل . وضَمن أن فرقة من جيشه اعتلت تل البرم وبدأت بنصب المدافع والرشاشات . والأخرى أٌبيدت وهي تحاول اعتلاء تلة الشيخة . ورأى من بعيد مجموعة من الدبابات أتت لتسانده وتحميه .

وقف الجيشان وجهاً لوجه . واحدٌ يحتمي بتل البرم بمدافعه ودباباته ورشاشاته  ينتظر المؤازرة . وجنده مرعوبين ومنهكين يلوذون بحياتهم من موت محتم . وواحدٌ شاهراً بنادقه وسيوفه التي تقطر دماً . وما شبعت بعدُ .

والثوار لن يسلموا أعمارهم لقمة سائغة للدبابات والطائرات في السهل المكشوف . ولن يحاربوا خارج أراضيهم  . خاصةً على هذا السهل الذي حارب عليه أجدادهم في معركة  شر السركس . فقرروا العودة لمواقعهم وتحصيناتهم . والضابط الفرنسي يرى مشهد الانكفاء . فينهار على ركبتيه  يسبُ دولته التي خدعته ولم تعلمه أن ساكني هذا الجبل وهذه التلال مقاتلون خارقون لهم في الحياة شأن وفي القتال شؤون .

والثوار في عودتهم صاروا يجمعون غنائم الجيش المنسحب . ويمرون على بقايا بيوتهم في بقعاثا ومسعدة وسحيتا وعين قنيا . يأخذون بقايا طعام وأغطية تعينهم في معركة البقاء . وجبل الشيخ يفتح لأبنائه  ذراعيه من جديد  ليضمهم في حضن ابنته مجدل شمس . والأمهات والزوجات والبنات بدأن بإطعام المقاتلين ومداواة الجرحى . والمصابين الذين استقرت الرصاصة في أحشائهم صاروا  يسمعون الرحمة عليهم وهم أحياء  فالنزف الداخلي لا علاج له والموت قريب . والجرحى الذين أصيبوا وخرجت الرصاصة من ظهورهم كان لهم أمل بالحياة . والشيوخ صاروا يدفنون الشهداء بعد الصلاة عليهم . ويعودون للخلوة يتضرعون للباري أن يعينهم على محنتهم .

الليل أسدل ستائره . والوجع الغائر في القلوب انسحب خجلاً خارج المضاجع والبيوت .  يسمع أنات الثكلى وأنين المكلومين . ويسأل في الزمن الرهيب , أين العرب من ثورة الإقليم . أين العرب ؟

والثوار في مواقعهم قلاع شامخة . ينتظرون مواجهة الشر الثالث ………

عن astarr net

شاهد أيضاً

nazeh brik

قراءة أولية في كتاب “الجولان عصِيٌّ على النسيان”

قراءة أولية في كتاب “الجولان عصِيٌّ على النسيان“ د. نزيه بريك \ الجولان المُحتل   …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: النسخ ممنوع !!