الخميس , نوفمبر 30 2023
الرئيسية / ملفات الارشيف / قضايا جولانية / “النهار العربي” الجولان المحتلّ…خليّة نحل
sanyia abosaleh

“النهار العربي” الجولان المحتلّ…خليّة نحل

“النهار العربي” في الجولان المحتلّ…خليّة نحل 

فلسطين- مرال قطينة

النهار العربي:17/12/2021

لا يشعر بحال الناس تحت الاحتلال إلا من ذاق مرارته، ولا يفهم حال أهل الجولان السوري المحتل إلا أهل القدس المحتلة، ربما لأن كليهما حصل على تصنيف فريد من نوعه من وزارة الداخلية الإسرائيلية بعد حرب الأيام الستة عام 1967، إذ تم منحهم وثائق سفر “ليسيه باسيه” (دعه يمر)، تعطيهم صفة مقيم دائم يتمكن السكان بموجبها من ممارسة الحقوق الممنوحة للإسرائيليين، ما عدا التصويت في الانتخابات البرلمانية – الكنيست أو الحصول على جوازات سفر إسرائيلية، وبحسب القانون الإسرائيلي، يمكن للحكومة إلغاء هذه الصفة إذا غادر المقيم المناطق الخاضغة للسلطة المدنية الإسرائيلية لفترة طويلة. وفي الوقت الذي حصل فيه أهل الجولان على تصنيف “مواطنة غير واضحة”، حصل أهل القدس على صفة “مواطن أردني”، ويتكبد حاملو هذه الوثائق عناء السؤال والشرح في كل مطارات العالم قبل الوصول الى وجهتهم المنشودة، لكنها تثير قريحتهم للتندر على حالهم وأحوالهم “هم بضحك وهم ببكي”، إذ يشعر حاملوها أنهم أشبه بالمخلوقات الفضائية، على الرغم من أنها ليست بالضرورة تعبر عما يشعرون به داخلهم من انتماء قومي وتاريخي الى أرضهم المحتلة، لكنه الأسلوب الإسرائيلي المتوقع لعدم الاعتراف باحتلال هذه الأراضي التي تعتبر أن ملكيتها مكتسبة توراتياً، كما أنها ترفض الاعتراف بالجنسية السورية والفلسطينية على حد سواء.

على الرغم من أن المسافة بين القدس والجولان تبلغ 250 كيلومتراً، إلا أن تشابه الأحوال هو ما يقرب بين الوجهتين، باستثناء بعض التفاصيل هنا وهناك، ولعل العلاقة التاريخية بين القدس والجولان لا تميزها قرابة الدم، لكنه المصير المشترك للأبناء في المعتقلات والسجون الإسرائيلية، فخلال نهاية السبعينات وسنوات الثمانينات، مُنع أهل الجولان من زيارة أبنائهم في سجون الاحتلال، فقامت العائلات المقدسية بتبني الأسرى العرب، وكانت الأمهات يتوجهن الى السجون لزيارة أبنائهن البيولوجيين وأبنائهن الجولانيين، فسياسة المحتل واحدة من الفصل العنصري وزيادة وتيرة الاستيطان والأسرلة الناعمة، وتغيير للمعالم والكثير من الحرمان ومحاولة اقتلاع الإنسان من جذوره.

من يزور الجولان السوري المحتل يشعر بكل ذلك وربما أكثر، بخاصة عندما يجد نفسه بالقرب من لافتة كبيرة تقول بالعبرية والإنكليزية “ترمب هاييز” (مرتفعات ترامب) فيتذكر فوراً وعد بلفور، وأن مصيرنا أصبح مرتبطاً بوعود لسياسيين أثرياء مثل آرثر بلفور للاتحاد الصهيوني وترامب لنتنياهو، لكنه ما إن يدخل بيتاً في مجدل شمس حتى ينسى كل شيء في الخارج، بعد أن تشده اللهجة الجولانية المحببة وبشاشة الوجوه وكرم الضيافة المنقطع النظير، ويستمتع باحتساء الكثير من القهوة و”المغلي”، المشروب الساخن المكون من عيدان القرفة والزنجبيل والقرنفل والماء، يوضع على مدفأة الحطب ويقوم الناس بإضافة الماء الساخن اليه عند الشرب للتخفيف من لذاعته، كم يشبه “القينر” أو القرفة كما نسميه في القدس، غير أننا نضيف اليه بعض المكسرات من الجوز والصنوبر.

يبلغ عدد سكان الجولان السوري المحتل اليوم نحو 25 ألف نسمة، يتوزعون بين قرى مجدل شمس، مسعدة، بقعاثا، عين قينية، الغجر وسحيتا، بعدما دمرت السلطات الإسرائيلية خلال الحرب 131 قرية و112 مزرعة ومدينتين.

في ضوء ذلك، ذكرت صحيفة “هآرتس″ الإسرائيلية أن رئيس الوزراء الإسرائيلي نفتالي بينيت تقدم بـ”خطة استيطانية” هدفها تغيير وجه الجولان ومضاعفة عدد سكان الهضبة السورية من المستوطنين، والخطة هي جزء من برنامج كان قد أعلن عنه في تشرين الأول (أكتوبر) الماضي، من المقرر تقديمها الى مجلس الوزراء للموافقة عليها هذا الشهر لمضاعفة عدد المستوطنين بحلول نهاية العقد الحالي.

وأشارت الصحيفة العبرية الى أنه بالإضافة الى زيادة “عدد السكان” في المجتمعات القائمة، تدعو الخطة الى إنشاء مستوطنتين جديدتين. ويتضمن الاقتراح زيادة عدد السكان من 52 ألفاً (يشمل السوريين والمستوطنين) بنسبة 50 في المئة بحلول نهاية 2025، ومضاعفتها بحلول نهاية العقد، وسيتطلب تحقيق هذه الأهداف، بالإضافة الى البناء السكني الكبير، زيادة فرص العمل والبنية التحتية اللازمة لدعم السكان الجدد، كما تدعو الخطة الى إنشاء عدد من مشاريع الطاقة الشمسية الجديدة، وقد تم بالفعل إعطاء (المجتمعات التعاونية) الجديدة المقترحة أسماء موقتة، ولتسريع الموافقة، يسعى بينيت الى إنشاء لجنة خاصة للتعامل مع إنشاء “المجتمعات الجديدة”، وبناء أحياء جديدة في الأحياء القائمة وإنشاء مناطق صناعية وتجارية وسياحية. وستتمتع اللجنة بحسب ما كشفت “هآرتس” بصلاحيات لجان التخطيط والبناء المحلية والإقليمية، لكن بشكل غير اعتيادي. لكن بمجرد الحصول على الموافقة ستكون اللجنة الخاصة مسؤولة عن النخطيط لها، لذلك سيتم ترخيص عمل اللجنة الخاصة حتى عام 2025 في الوقت الحالي.

يعتمد أهل الجولان على السياحة والزراعة والمواسم التي تميز المنطقة، مثل مواسم الكرز والتفاح والملفوف والبندورة الجبلية والعسل، إضافة الى المنتجات المحلية التي يتم تسويقها محلياً وخارج الهضبة. يعيش السكان وسط مساحات واسعة خضراء، حيث الطبيعة الخلابة والهواء النقي والتربة الخصبة، يفتخر أهل الجولان بمحاصليهم الزراعية ونكهتها المميزة. حتى أن أحد المزارعين أبو محمد أبو صالح، وبعدما شرح طبيعة الأرض والأجواء القاسية، وتأثيرها الإيجابي في الحصول على منتجات مميزة مثل التفاح والكرز قال: “صحيح أن شكل تفاح الجولان الخارجي ربما لا يضاهي شكل التفاح الأميركي وجماله الخارجي، لكننا ننتج أجود أنواع التفاح طعماً وبشهادة الخبراء”.

من لم يتذوق التفاح والكرز الجولاني كأنه لم يتذوقها في حياته، يعمل المزارعون بكد واجتهاد في أراضيهم كما في مناحي الحياة الأخرى، وبالإضافة الى المهندسين والأطباء والمدرّسين، يمكن ملاحظة حفاظ أهل الجولان على المهن التقليدية المتوارثة عبر الأجيال، من صناعة الصابون والفخار والمنتجات المنزلية.

لكن أبرز ما أصبح يميز الهضبة السورية هو خروج النساء للعمل بكثافة، ومن لا تعمل بشهاداتها الأكاديمية، أو حتى الى جانب زوجها في الحقل وتقليم الأشجار والعناية بالمزروعات، أسّست مشروعها الخاص.

وبحسب فريال أبو زيد صاحبة متجر في السوق المحيط ببركة رام التاريخية، حيث يتم تسويق المنتجات والمزروعات المحلية، اختلف المشهد كثيراً عما كان عليه قبل عشر سنوات، الكل يعمل لإعالة أسرته “كلنا في البيت يد واحدة لا نستطيع البقاء ومواجهة الأزمات إلا بالعمل”.

في الجهة الغربية من بلدة مجدل شمس، تقوم سنية أبو صالح على إدارة “استراحة سنو”، إضافة الى كافيتريا صغيرة تقدم فيها المناقيش والخبز على الصاج وتسويق خل التفاح والمكدوس والزيت والزيتون، يساعدها زوجها بعد عودته من الأرض. تعكس سنية بساطة أهل الجولان واستقبالهم الحار للضيوف والزوار، كما أنها وجه للمرأة الصلبة الكادحة التي تعمل لتوفير حياة كريمة لأبنائها وأحفادها، تقول إنها لا تستطيع التوقف عن العمل، لأنها ترى فيه استقراراً وحياة كريمة وبقاء. وتعلن أن “أسباب الطلاق في المجتمع هنا هي رفض النساء للرجل الكسول الذي يمتنع عن العمل وتوفير دخل مستقر لعائلته”.

الكل مقتنع بضرورة العمل والإنتاج وتطوير البيئة المحيطة، وهذا ما انعكس فعلاً على حياة السكان، إن لم يكن من خلال الشعارات النسوية الرنانة والطنانة، ولأسباب جندرية، لكنه أصبح واقعاً ملموساً يعاش، وأسس لمجتمع متساو متكافل ومتكافئ، وانعكس ذلك على المنطقة بتوفير بيئة آمنة وتكاد تخلو من الجرائم والسرقات، كما أن البطالة شبه معدومة، ونسبة الهجرة تكاد لا تذكر.

خلال أكثر من 54 عاماً، نجح الاحتلال في تفريق العائلات السورية بين طرفي الحدود، ووضع العقبات ومارس التنكيل جسدياً ونفسياً، لكن وسائل الاتصال والتكنولوجيا الحديثة نجحت في تخطي الحدود وتقريب العائلات، وإن كانت سنوات الحرب الأخيرة في سوريا قد أثرت سلباً في التواصل وسفر الأبناء للتعليم في الجامعات وزيارة الأهل والأقارب في البلد الأم.

يمكن تبين الحسرة والقلق خلال الأحاديث المسائية مع الجيل الأكبر سناً، عن شبان استشهدوا على الحدود خلال الحرب المدمرة الأخيرة، وعن سماع دوي القصف وإطلاق النار، لكن الشعور بالعروبة والانتماء ما زال قوياً، بالإمكان تلمس الفجوة الفكرية بين الأجيال، حيث لا يزال الجيل الأكبر سناً مهتماً بالسياسة، ويناقش الأوضاع السياسية والمحيط العربي، بينما أصبح الجيل الجديد أكثر بعداً من المنابر السياسية وحركات التحرر، وأكثر انغماساً بمشكلاته واهتماماته الشخصية، بسبب سياسات الترهيب والتخويف التي تمارسها إسرائيل، ومع انتشار المطاعم والمقاهي أصبحت الحياة الليلية جزءاً من طقوس نهاية الأسبوع للشبان الذين يمضون أوقاتهم طيلة أيام الأسبوع بين الدراسة والعمل، فتصدح الموسيقى الصاخبة حتى ساعات الفجر الأولى، “على هذه الأرض ما يستحق الحياة”….

عن astarr net

شاهد أيضاً

Screenshot_20231017_122138_Chrome

أمتار تفصل بين إيران وإسرائيل في الجولان

أمتار تفصل بين إيران وإسرائيل في الجولان جريدة الجريدة «الحرس الثوري» يجتاز «شريط الـ 40 …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: النسخ ممنوع !!