السبت , ديسمبر 2 2023

تاريخ مجدل شمس

 

تاريخ مجدل شمس

موقع الجولان للتنمية

بين عبق التاريخ وجمال الطبيعة الجولانية ،يبكي التاريخ على حالنا، وحين يبكي التاريخ فان ضجيج النفاق وقوة الخطابات القومية والوطنية التي يحكمها البوط العسكري، وضجيج الانسحاب التكتيكي والاستراتيجي والهروب،لا يعيب القادة ويذلهم وحدهم فحسب، لكنه يتجاوز ليصيب الورثة والأجيال ايضاً، إن استمر الصمت اكثر، وطال احتضار الضمير وافراغ الذاكرة من محتواها الأخلاقي وبعدها الإنساني. ونحن من حملة هذا التاريخ ،سنبقى شركاء في الجريمة والتزوير والتخريب ان مات الضمير وتبدلت الذاكرة الوطنية، بتاريخ لا يشبه التاريخ الحقيقي…

قبل أكثر من 4000 عام اصدر الملك حيرام ملك صورفي سنة 980 ق م امراً ببناء معبداً للشمس، أثناء رحلة صيد له مع حاشيته في ربوع جبل الحرمون، تقديسا لأله الشمس، وأطلق عليه اسم برج الشمس، وقد دلت التنقيبات التاريخية على وجود اثار المعبد الفينيقي ومعاصر الزيتون التي تعود الى فترة الحكم الفينيقي في بلادنا . بعد انهيار حكم الفينيقين تحولت هذه المنطقة الى خربة مهجورة بفعل الحروب والنزاعات التي شهدتها، الا أنها سرعان ما عادت اليها الحياة مع بدء دعوة السيد المسيح، ووصول الدعوة إلى الجولان وبانياس وطبريا ودير قروح ودير عزيز وهي قرى عربية سورية مدمرة في وسط الجولان المحتل..

مجدل شمس التي سكنتها في بداية القرن الثالث عشر ميلادي عائلات عربية عريقة تعود اصولها التاريخية الى مصر من ال فرحات سكنوا الجولان بعد قدومهم من مناطق الكرمل الفلسطيني حيث سكنوا هناك بشكل مؤقت، وعائلات من ال بريك قدمت من لبنان وشكلت مع ال فرحات بدايات التواجد السكاني الحالي في مجدل شمس بعد ذلك هاجرت اليها بعض العائلات العربية من الموحدين والمسيحيين الارثوذكس من بلدة صفد في فلسطين، ومن هذه هذه العائلات ال صفدي وعائلات ال شحاذة..

 

كانت مجدل شمس مع سائر إقليم البلان اثناء الحكم التركي تابعة لمحافظة جبل لبنان قضاء راشيا، حيث يعود تاريخ الأعمار البشري الحالي فيها إلى عهد الأمير فخر الدين المعني الثاني 1595 الذي كان يسعى إلى الإنفصال عن الدولة العثمانية وتأسيس دولة لبنان الكبير المستقل، حيث طلب من علي جان بولاد (وهو مؤسس عائلة جنبلاط) الرحيل من جوانب حلب إلى الكرمل والجولان وتوطين “الدروز” هناك، ليضمن توسيع نفوذه وتقوية دولته الخارجة عن السلطنة العثمانية، وكانت منطقة الجولان بعيدة عن نفوذ السلطة العثمانية، حيث كانت تسكنها قبائل من البدو الرحل (قبائل عنزة القادمة من شبه الجزيرة العربية)، وقبائل آسيوية نزحت منذ فترة كالشراكس والداغستان والتركمان وكان الإقتتال والنزاعات سمة هذه العشائر بشكل دائم، وهناك قرويين يعيشون في الأرياف مثل جباتا الزيت وبانياس وجباتا الخشب والقنيطرة. وإلى جانب هذه العناصر هناك عصابات تسطو على القوافل التجارية وتشن حملات لصوصية على الأهالي وتنهب كما تشاء، ولم يسلم أهل المنطقة من أذاها وكان يقود هذه العصابات رجل أفريقي أسود. ومع اقتراب النصف الثاني من القرن السابع عشر وصلت مجدل شمس عشائر قدمت من لبنان بعد انتهاء معركة عين دارا عام 1711 التي أنهت الصراع والنزاع التاريخي الممتد بين القبائل منذ أيام الجزيرة العربية بين القيسيين واليمنين عائلات من ال ابو صالح التي تعود أصولهم التاريخية إلى القبائل الحمدانية من حلب..

في بداية الأمر سكنوا ابناء العشيرة المعروفية في خربة الحواريت،( بجانب التلة المحاذية لمقام النبي ايليا اليوم) ولكنهم حوصروا وحبسوا هناك طيلة أيام الشتاء بسبب شدة مياه نهر سعار وذوبان ثلوج جبل الشيخ، وكان أهالي جباتا الزيت المجاورة يسيطرون على الأراضي الموجودة هناك، فشكى الدروز بؤسهم ووضعهم وطلبوا المساعدة من أهل جباتا الزيت، فوافقوا ومنحوهم أرضاً تدعى “خربة المجدل” بشرط أن يقتلوا زعيم عصابة السطو وقطاع الطرق الذي روع أمن الناس وأذاقهم الويلات، قبل الدروز بشرط أهالي جباتا الزيت، وتمكن ثلاثة شبان من الدروز بنصب كمين وقتلوا الأفريقي رئيس العصابة وقتلوا معه درزي بالخطأ بمكان يدعى” عين العُباد” في اعالي سهلة الكروم نسبة إلى العبد المقتول، بعد التخلص من العبد استوطن الدروز والمسيحين (خربة المجدل) وهي مجدل شمس اليوم، وتوسعت سيطرتهم على مرج اليعفوري وسهل سعار وسهل الكروم ومنطقة حضر شرقي مجدل شمس، وجرى تقسيم الاراضي بين العائلات المسيحية والدرزية…

وفي عام 1876 نشب نزاع بين عائلات الدروز في مجدل شمس فنزحت بعض العوائل إلى ” خربة بقعاتا” منها ال فرحات واستوطنوا فيها. أما مسعدة فلم تكن سوى مزرعة للمجدل فاستوطنت بعض العائلات الفقيرة هناك .

اعتمد سكان قرى الجولان عامةً على الزراعة وتربية الماشية كمصدر لمعيشتهم، واعتمد القلائل فقط على الصناعات البدائية… واشتهرالانتاج الزراعي بإنتاج التوت والقمح وحقول الشعير والحمص والملفوف والمشمش، وتربية دودة القز واستخلاص الحرير، وزراعة التبغ الذي اعتمده السكان لموسمين او اكثر فقط في بدايات العشرينيات من القرن الماضي، واهتموا بزراعة كروم العنب و وتصنيع النبيذ الذي منعه الشيوخ الروحانيين لطائفة الموحدين لأسباب دينية، وبقيت صناعة النبيذ حكراً على المزارعين المسيحيين، الا ان السكان تعاونوا فيما بينهم في تصنيع العنب فاهتم الدروز بصناعة الدبس فيما اهتم المسيحيين بصناعة النبيذ المجفف الاحمر والنبيذ الحلو. ومع دخول التفاحيات الى الجولان قادمة من لبنان،تحولت الاراضي الزراعية الى انتاج التفاح وتسويقه كمصدر رزق اساسي.. وعلى صعيد الحرف انتشر السكافية والكندرجية والحدادين والنجارين، وصناعة الخنجر المجدلاني الذي كان يصنع من النحاس والحديد ترصعه الزينة والحلى المستخلصة من قرون الغنم، وقرون الجواميس، وصناعة المحراث الخشبي للحراثة فترة الحكم العثماني، والمحراث الحديدي فيما بعد.. ومصدر رزق اخر تميز به سكان المنطقة كان تربية الماشية والابقار حيث ازدهرت تجارة الماشية وتسويق منتجات الحليب كالجبن واللبن في اسواق دمشق وصفد والناصرة، اضافة الى سكان المنطقة تميزوا بانتاج الكلس للبناء من منطقة تل الرملي شرقي مجدل شمس(1) من احاديث الشيخ نعمان ابو جبل لموقع الجولان للتنمية )

مجدل شمس بين احضان جبل الشيخ

جبل الشيخ هذا الجبل المقدس الشامخ تحدثت عنه شعوب كثيرة استوطنت المنطقة منذ أواخر الألف الثالث قبل الميلاد لدرجة أنهم قدسوه وشيدوا فوق قممه المعابد التي تم تشيدها مثل معبد (بعل حرمون). القابع فوق أعلى القمم حتى صار يعرف بينهم على أنه جبل الإله بعل، في حين درجت بعض الشعوب التي عبدت الشمس أيضا على حمل الجرار المليئة بالماء من البحر من لبنان  في أواخر كل صيف وسكبها فوق أعلى وأقرب نقطة إلى الشمس حيث يقوم المعبد، ومن ثم الصلاة والدعاء لنيل موسم ماطر وخير وفير.‏

هذه القداسة التي حظي بها الجبل ظلت راسخة على مدى عصور طويلة، فالسيد المسيح صعد الجبل بعد زيارته لمدينة بانياس

ثمة طبيعة من نوع مختلف للعلاقة التي ربطت الشعوب المختلفة بالجبل حيث تحصنت فيه الجيوش وهذا يعود إلى القرن التاسع قبل الميلاد وقد دونه الملك الآشوري شلمنصر.‏

من ناحية أخرى فإن جميع ممالك بلاد الرافدين قد استوردت أخشاب شجر الأرز الذي كان ينمو بوفرة في الجبل حيث عوض عن أشجار النخيل التي تنمو عندهم لكن جذوعها الطويلة ليست بمثل متانة شجر الأرز بحيث تقوى على حمل سقوف المباني والبيوت السكنية.‏

وقد درج الفراعنة أيضا على فعل الشيء ذاته، فأرسلوا بعثات تجارية لقطع شجر الأرز ونقله عبر البحر في سفن قدر عددها في كل بعثة بـ 40 سفينة إلى جانب أنهم نقلوا الثلوج التي تغطي الجبل طيلة أيام السنة عبر ميناء صيدا إلى قصور الفراعنة والباحات العامة في المدن المصرية وظلت هذه العادة منتشرة فبعض الناس قد امتهنوا نقل الثلوج وبيعها في أيام الصيف .‏

وربما يكفينا التعرف على المسميات العديدة التي أطلقت على الجبل حتى تتأكد لنا منزلته الرفيعة عند الشعوب فالعرب أطلقوا عليه اسم‏ جبل الثلج وقد ورد ذلك في قصيدة لحسان بن ثابت يمدح فيها أخواله من آل جفنة الغساسنة فيتبين لنا بالتالي أن تسمية‏ جبل الشيخ حديثة نسبيا، واختلفت الآراء في أصولها إذ هناك رأي يقول إنها جاءت تشبيها للجبل المكسو بالثلوج  كالرجل الشيخ الذي كلل البياض هامته . وهناك رأي يرد إلى زمن الحملات التي قام بها القائد التركي أحمد كجك على إمارة فخر الدين المعني، حيث كان جنوده يتوجهون إلى قرية عين عطا القريبة من الجبل بهدف القبض على الشيخ الفاضل (محمد أبي هلال) لكن الشيخ كان معروفا بتقواه وزهده لدرجة أنه كان يتخذ له مغارة في الجبل يتعبد فيها، فكان جنود أحمد كجك عندما يقصدون بيته يقال لهم الشيخ في الجبل ومن هنا جاءت تسمية جبل الشيخ.‏

من الأسماء الدارجة حتى اليوم ، حرمون وهو يعني المقدس لكن الاسم ذُكر  في ملحمة جلجامش في العبارة التالية: «أرض جبل الأرز حرمون هي أرض الخالدين» كذلك ورد في معاهدة السلام التي وقعها الملك الحثي حاتوشيلي الثالث مع الفرعون المصري رعمسيس الثاني في العام 1272قبل الميلاد.‏

كما عرف الجبل كذلك باسم”  أرض شوب”  أي أرض الإله شوب إله الهواء عند الحوريين، ولا زالت قرية كفر شوبا الواقعة في منطقة العرقوب تحمل الاسم ، وفيها ينتصب معبد ضخم ” لبعل جاد “وهو نفسه بعل حرمون.‏

وفيما يلي باقي التسميات:‏

الكنعانيون سموه سعار.‏

الأموريون سموه شنير.‏

الفينيقيون سموه سيرون.‏

الآشوريون سموه سفيرو.‏

الصيدونيون سموه حرمون سيرون.‏

الآراميون سموه طور ثلجا.‏

اليونان والرومان سموه أنتيليبانوس أي المواجه للبنان أو المطل على لبنان.‏

هذه كلها أسماء لجبل الشيخ عند مختلف الشعوب التي خلفت آثارا عديدة فوق الجبل وعلى سفوحه نذكر منها:‏

أجران المطابخيات فوق تل الجراجمة على الجانب اللبناني.‏

المدافن الرومانية في منطقة برقش قريبا من قرية بيت جن.‏

قلعة جندل التي أخذت القرية اسمها.‏

مدينة بانياس وقلعة الصبيبة” النمرود” .‏

– وأخيراً قصر شبيب أو قصر عنتر وهو معبد قديم لبعل حرمون نسجت حوله في العصور الحديثة أسطورة تقول إن شبيب كان أحد ملوك” بني تبع اليماني ” الذي شيد قصرا فوق الجبل ليقضي أيام الصيف فيه، ورغم وجود قصر تاريخي في منطقة الأزرق في الأردن يحمل اسم شبيب،  فإن التسمية والقصة التي تخص جبل الشيخ لا صحة تاريخية لها وإنما أصل المكان معبد وثني يتكون من باحة مستديرة محاطة بسور مبني من الحجارة البيضوية الشكل بطول متر واحد لكل منها يلي ذلك قبة مخروطية الشكل في أعلاها فتحة وفي الداخل يوجد مغارة (قدس الأقداس) بعمق 3 أقدام وارتفاع 8 أقدام توضع فيها النذور والمساحة الكلية للمعبد تبلغ 30-50م في العام 1869م عثر على نص من العصر الروماني محفور بجانب جدار المعبد كتب عليه عبارة «بأمر الإله الأعظم المقدس الذي أقسموا من هنا» ويعتقد أن القصد من الإله الأعظم هو بعل حرمون نفسه، أما الحجر فقد نقل إلى المتحف البريطاني ومما عثر عليه في المعبد أيضا نقود من العصر الأموي هي الآن محفوظة في متحف القنيطرة وتدلل على استخدام المعبد حتى ذاك العصر.‏

بالنسبة للآثار الموجودة شمال القرية (مجدل شمس) فعلى الأرجح أنها تعود لأحد المعابد التي كانت تتبع لبعل حرمون من ضمن ما يزيد على 20 معبداً آخر منتشرة فوق الجبل إذ أن المكان يشير إلى معبد تتبع له ملحقات سكنية أو دفاعية لم يكتمل بناؤها بعد ربما تهدمت بفعل زلزال لكن الحجارة المتفرقة في الموقع وخاصة الحجر الضخم المستطيل بالقرب من الطريق يعكس عملا لم يتم إذ أن الحفرة الواضحة في وسطه تشير إلى محاولة لم تكتمل في كسر الحجر إلى قطعتين عن طريق حشر أوتاد خشبية في الحفرة، ومن ثم ترطيبها بالماء بعد ذلك يسهل نقل أجزائه إلى المكان المخصص في البناء بحيث تتطابق الزخارف المنقوشة مسبقا عليه مع بعضها بعد أن يتوضع نهائيا في موقعه.‏ وبقي أن نقول إن الجبل يمتد على طول 60 كلم وعرض 30كلم.‏( صحيفة الثورة – الباحث السوري  تيسير خلف )

سكان مجدل شمس  جذور ممتدة  في التاريخ

لقد انتشر المسيحيون بكل قرى الجولان تقريباً مجدل شمس جباثا الزيت زعورة وعين فيت وخسفين التي شكل عدد المسيحين فيها نسبة50% وكان فيها كنيسة يعود بناءها إلى القرن الثامن الميلادي تم هدمها وقصفها خلال حرب حزيران عام 1967 ، وقد تعرض المسيحيين أسوة بباقي ابناء الشعب السوري إلى اضطهاد المستعمرين والمحتلين  الذين سيطروا على بلادنا . فخلال الثورة بين عام 1925-1927 نزح قسم كبير من سكان  مجدل شمس الى قرية جباثا الزيت، وعادوا خلال عام 1928، ومن ثم تتالت الهجرات إلى مدينة القنيطرة الواقعة على مفترق طرق بين لبنان وسوريا وفلسطين، واتسعت الهجرة أكثر خلال سنوات الخمسيينات لتشمل عددا من أبناء الطائفة الدرزية ايضاً حيث كانت المدينة اخذة في الازدهار، واخر هجرة للمسيحيين من مجدل شمس كانت في العام 1954وبرز فيها هجرة الـ عبد الله شحاذة. وكان هناك خوري اسمه فلمون حداد وهو وحيداً لأهله، كان يملك 25 دونما من الأراضي منحها للكنيسة دون اي مقابل. ولم يتبق من العائلات المسيحية سوى الـ نصرالله وعائلة عبد الله يوسف الحداد الذي انتخب في العام 1965 ممثلاً للفلاحين في الجولان داخل البرلمان السوري، وانتقل قسريا بعد حرب حزيران إلى الشام وبقى هناك، وكانت هناك عائلة الـ فرزلي ومنهم المرحوم المعروف أبو رجا سمعان فرزلي وهو من سكان الشام وتزوج من امرأة من مجدل شمس، وجاء الى مجدل شمس أثناء فترة الصيف لتصريف الأعمال الزراعية ووقعت الحرب وبقى هنا.. لقد سكنت البلدة عائلات مسيحية من الروم الأرثوذكس وشكلوا الأغلبية، والكاثوليك والبروتستانت، وأقامت كل طائفة كنيسة للعبادة لها عدا الكاثوليك حيث لم يكن عددهم كبيرا آنذاك.. ورغم عمليات الهجرة الطوعية للمسيحيين، الا ان البصمات العديدة التي تركوها ورائهم اليوم لاتزال حية في وجدان من تبقى في ارضه من ابناء الجولان بعد الاحتلال، حيث لا تستطيع الا ان تستحضر هذه البصمات كلما مررت ببقايا الكنيسة في مجدل شمس، او بالقرب من مقبرة القرية، او زرت قرية عين قنية وزرت الكنيسة فيها وبعض العوائل التي لاتزال تعيش هنا في أرضها ومسقط راسها، على امل ان يلتئم شمل الجولانيين وعودة كل النازحين الى ديارهم ، لاستكمال ما بدأه جيل الاجداد والاباء في هذه المنطقة …. (من شهادة العم  ابراهيم شحاذة  لموقع الجولان للتنمية)

لقد عمل مسيحيو الجولان في مختلف الأعمال التجارية الصغيرة، وصُنفوا ضمن طبقة الرأسمال الصغير، بحكم ان معظمهم اعتبروا من المتعلمين ويتحدثون اللغات الاجنبية الفرنسية والانجليزية، جراء اشتراكهم في مشاريع النهضة التي دخلت المنطقة من خلال البعثات التبشيرية، وساهموا في رفع الحالة الاقتصادية إلى جانب إخوانهم من باقي الطوائف الأخرى، وساهموا في بناء المدارس الابتدائية، وتطوع عدد من الأساتذة إلى تعليم الأطفال الكتابة والقراءة، في الصفوف التي خصصت للتعليم في سنوات العشرينيات والثلاثينيات، وكانوا جزءً من النسيج الاجتماعي في البلدة، بالحقوق والواجبات، واشتركوا في مشروع تقسيم اراضي مجدل شمس وتوزيعها بشكل عادل بين أبناءها، ونالوا حصتهم من الأراضي بشكل متساو وعادل.وشهدت بلدة مجدل شمس قبل الثورة السورية الكبرى ضد الاستعمار الفرنسي افتتاح أول مدرسة فيها بمبادرة من رئاسة الطائفة المسيحية في البلدة وافتتحت مدرسة داخلها (كانت تقع بجانب منزل المرحوم فؤاد كنج أبو صالح، ومتحف الاثريات التاريخية التي تم تدشينه مؤخراً ) وتم استقبال الطلاب على اختلاف مذاهبهم لتلقى العلم، والمعرفة، وبرز آنذاك كأحد الأساتذة في كنيسة مجدل شمس الأستاذ والوطني السوري الكبير فارس بك الخوري،الذي أصبح فيما بعد رئيس البرلمان السوري ورئيسا للحكومة، ولا تزال بعض بقايا الكنيسة قائمة لغاية اليوم في محيط ساحة مجدل شمس، فيما تنتشر أراضي وأملاك عديدة للاخوة المسيحيين لا تزال أمانة تحت إشراف الأوقاف الدرزية..

“عاش المسيحين في انسجام ووئام طائفي مع باقي الطوائف داخل القرى الجولانية، منذ القرن التاسع عشر، وشكلت نسبة المسيحيين في قرى الجولان المأهولة اليوم مثل مجدل شمس وعين قنية حوالي ثلثي السكان،ولغاية الثورة السورية الكبرى ضد الاستعمار الفرنسي،بعدها عملت سلطات الانتداب مع بدايات العام 1928 على تهجير السكان المسيحيين من القرى ونقلهم الى مدينة القنيطرة، لضمان عدم اندماجهم باعمال الثورة السورية، واستغلالهم كقوى عاملة اقتصادية في المدينة التي بدأت تنتعش وتكبر، وشكلوا بعد الشركس النسبة الأكبر من عدد السكان فيها.. فيما اضطر قسم كبيراً الى الهجرة الى دول امريكا االلاتينية واوربا ، ورغم سياسية التفرقة التي اعتمدها الانتداب الفرنسي من تأجيج الانقسام الديني والمذهبي الا ان عائلات عديدة بقيت،إلى جانب الثوار في قرى جبل الشيخ وخاصة مجدل شمس، ولا تزال عدة عائلات مسيحية تسكن القرى الجولانية تحت الاحتلال، رغم وجود المصاعب الكبيرة التي تفرضها سلطات الاحتلال بمنع تواصلهم مع اقربائهم واماكن العبادة الخاصة بهم وممارسة معتقداتهم الدينية المشروعة “( من شهادة  الاستاذ الاعلامي اندرياس شحاذه- ابن مجدل شمس- لموقع الجولان للتنمية)..

مجدل شمس مركز للثوار ضد الاحتلال

خلال فترة الحكم العثماني لبلادنا قامت عدة انتفاضات ضد ذلك الحكم ومن ذلك – مثلاً – ان مجدل شمس أُحرقت ست مرات خلال ذلك الحكم، ثم تواصلت مسيرة الكفاح عند مجيء الاحتلال الفرنسي، حيث كانت مجدل شمس مركزاً للثوار في شمال الجولان وجبل الشيخ وجنوب اللبنان حيث صمد الثوار فيها ( من القرى المجاورة منها) مع عدد من المجاهدين والقادة والثوار الذين أتوا من جبل العرب ودمشق ولبنان، واستطاع الثوار صدّ الهجمات الفرنسية عليهم في مجدل شمس ستة أشهر كاملة جرت فيها ثلاث معارك استطاع الفرنسيون في آخرها – والتي جرت بين 1 – 3 نيسان 1925 – أن يستولوا على مجدل شمس ويحرقوها ويدمروها، كان هذا هو الحرق والدمار السابع لها، وشمل هذا الحرق والدمار القرى المجاورة أيضاً وهم : بقعاثا، مسعدة، عين قينيا، حضر وجباثا الخشب التي جرت فيها معركة استشهد فيها الثائر احمد مريود في 30/5/1926.

مجدل شمس في الثورة السورية الكبرى ضد الاستعمار الفرنسي

 

بعد المعارك التي خاضها الثوار في جنوبي لبنان، تجمعت قوتهم ثانية في  قرية مجدل شمس، وبدأت القوات الفرنسية بالتحضير للهجوم عليها، وضرب قوة الثوار فيها، فاتجهت نحوها في تاريخ  11-21-1925 ونشب القتال الذي امتد سبعة أيام حول مجدل شمس وقرى بقعاثا  ومسعدة وحضر والمناطق المجاورة، ولم تستطع القوات الفرنسية  المهاجمة الدخول إلى مجدل شمس، حيث تحصّن الثوار فيها . وقام الثوار بشن هجوم معاكس تكلل بالنصر المؤزر، وتراجعت القوات الفرنسية جنوباً حتى القنيطرة، متكبدة خسائر كبيرة في الرجال والمعدات، وخسر الثوار نحو مئة شهيد، منهم الشهيد العقيد البطل فؤاد بك  سليم، وهو من لبنان وساهم في الثورة السورية الكبرى، وكان من قادتها أيضاً.

– ثم تعرضت مجدل شمس والثوار فيها لهجوم فرنسي آخر في أواخر كانون الثاني 1926 وصدّ الثوار هذا الهجوم أيضاً.. وخلال شهري شباط وآذار 1926 تصدى الثوار ثلاث مرات للقوات الفرنسية التي كانت تذهب من دمشق إلى القنيطرة بقصد التجمع لمهاجمة الثوار، وجرت اشتباكات في مواقع دورين والشوكتلية انتصر فيها الثوار. ثم جرت معركتا الفالوج وقطنا حيث هاجم الثوار مواقع فرنسية في مدينة قطنا وأوقعوا فيها خسائر كبيرة. ثم تصدى الثوار بهجوم مباغت لقوة فرنسية كبيرة في سهل البقاع عند نبع الفالوج وقتلوا منها أعداداً كبيرة من الجنود.

وبعدها جرت معركة مجدل شمس الثالثة والأخيرة، وهي من أهم المعارك، وامتدت من 30 آذار إلى 3 نيسان ،1926 وقد هاجمت القوات الفرنسية مجدل شمس على ثلاثة محاور، بقوات تقدر بأربعة أضعاف قوة الثوار المتحصنين في القرية، وتصدى الثوار للقوات المهاجمة في طريق تقدمها عند مواقع خان أرنبة ووادي العسل وسحيتا وعين قنية وحضر وموقع المكحلة عند جباتا الزيت وغيرها.. واستطاعوا عرقلة تقدمها وتأخير زحفها، ولكن القوة الفرنسية الكبيرة استطاعت محاصرة الثوار في مجدل شمس مع استمرار القصف المدفعي وقصف الطيران، وجرت اشتباكات ضارية، قسم منها كان بالسلاح الأبيض، وقدم الثوار ضروباً رائعة من البسالة والشجاعة، واستطاعوا خرق الحصار والخروج من القرية، التي دخلتها القوات الفرنسية ودمرتها  تماما وأحرقتها مع القرى المجاورة.. ونزح الثوار مع عائلاتهم إلى سفوح جبل الشيخ الشرقية ، حيث لاحقهم الطيران الفرنسي بالقصف، ثم التحقوا بمناطق الثورة الأخرى داخل المناطق السورية ، ومنها جبل العرب، وقسم منهم التجأ إلى فلسطين للاختباء او البقاء فيها.

وبعد استيلاء الفرنسيين على مجدل شمس، تضعضعت قوى الثوار، فقررت قيادة الثورة بتوجيه من قائدها سلطان باشا  الأطرش تجديد الثورة والعمليات في شمالي الجولان، وتجمع الثوار في قرية حضر بقيادة الأمير الثائر عادل أرسلان، وفي قرية جباتا الخشب بقيادة المجاهد أحمد مريود.

وقبل أن يستكمل الثوار استعداداتهم، قامت القوات الفرنسية بمباغتة سريعة لهم في جباتا الخشب، واستبسل الثوار في الدفاع، وفي مقدمتهم الثائر أحمد مريود الذي استشهد في نهاية المعركة التي جرت في 30 أيار ،1926 وذلك قبل أن تتمكن قوة الثوار الموجودة في حضر من نجدتهم، إذ وصلوا بعد استشهاد البطل أحمد مريود وانتهاء المعركة. وجرت بعدها مواجهات متفرقة مع دوريات ومخافر فرنسية في مناطق الجولان، ومنها ما جرى في الزويّة جنوبي الجولان.

لقد كانت الثورة السورية الكبرى هي الأساس الذي بني عليه الجلاء، إذ اقتنع المستعمر الفرنسي أن لا بقاء له في بلادنا أمام شعب مصمم على التضحية وطلب الاستقلال، هذا الاستقلال الذي تحقق عام 1946.

وقدمت قرى الجولان في سحيتا وبقعاثا وعين قنية وحضر  في معارك  مجدل شمس وحدها 138 شهيدا وشهيدة سقطوا دفاعا عن الارض السورية بقيادة المجاهد الكبير المرحوم اسعد كنج ابو صالح  قائد الثورة وإقليم البلان

 

 

قائد ثورة اقليم البلان في ثورة 1925 أسعد كنج أبو صالح

مركز الجولان للاعلام والنشر

 

ولد أسعد كنج أبو صالح في بلدة مجدل شمس في العام 1879. لأسرة سورية عريقة حيث سكنت الجولان إثر صراع مع حكم الأمراء الشهابيين في سنة 1860، وسكنوا الجولان بعد أن قدمت إليه عائلات آل فرحات من سوريا الجنوبية وآل بريك من لبنان وتغلبهم على العصابات التي سيطرت على المنطقة وعاثت خراباً ورعباً في القرى المحيطة بمجدل شمس قبل أكثر من 400 عام. واستطاعت ترسيخ مكانتها ونفوذها في المنطقة وتبوء مكانة اجتماعية وسياسية واقتصادية، فقد برز منها أبان الحكم العثماني زعامة اجتماعية وسياسية، وكان الشيخ كنج أبو صالح المتوفى في العام 1937 أحد القادة الذين وقفوا بشجاعة أمام الوالي العثماني في دمشق، ورفض تسجيل شباب المنطقة ضمن سجل الأنفس لتجنيدهم في الجيش العثماني وتدريبهم على خوض حروب تركيا. حيث انتقمت منه السلطات التركية وأصدرت قراراً باعتقاله وتم سحبه وهو مكبل اليدين وراء الخيل من بلدة بانياس إلى درعا، لأن الوالي العثماني غضب عندما علم بأمر رفضه تسجيل شباب المنطقة إلى الجندية ومن ثم تم نفيه إلى جزيرة أرواد.

اعتقلته السلطات الفرنسية مع بداية الثورة في الجولان، ويقول أحد المؤرخين المصريين” حين استشهد الابن البكر للزعيم الجولاني أخطؤوا عند تبليغه الخبر بين ابنه وأخيه قائد الثورة فقال ” الحمد لله الذي قضى بإستشهاد ابني وليس أخي فسألوه، والدهشة تعلو وجوههم، كيف وهو ابنك؟ فقال إن استشهاد ابني لن يوقف الثورة ولكن استشهاد أخي قائد الثورة قد يوقفها.

من المشاهد الخالدة في الذاكرة والتي سجلها التاريخ لسكان الجولان، أن الجنرال غورو أرسل أموالاً ونقوداً كثيرة إلى أهالي الإقليم والى زعامته من آل كنج (الشيخ أسعد كنج أبو صالح، وشقيقه الشيخ كنج أبو صالح )مقابل عدم معارضتهم للقوات الفرنسية ومساعدة فرنسا في السيطرة على جنوب البلاد، فما كان من المجاهد أسعد كنج وأخيه الشيخ كنج بصفته شيخ المنطقة إلى أن طلب اجتماعاً لشيوخ وزعماء المنطقة في المجلس الديني في مجدل شمس وقال: ” عار علينا أن يسجل التاريخ أننا تعاملنا مع الاستعمار الفرنسي ووقفنا متفرجين على احتلالهم ” وأرسلت الأموال إلى الملك فيصل ملك سوريا الذي أصابه الذهول مما شاهده وسمعه وقال إلى رسول الجولان المجاهد اسعد كنج أبو صالح: ( إن لكم أيها الشرفاء ضعفي هذه المبالغ في خزينة الملك فيصل، وبلغ اعتزاز العرب بموقف أهالي الإقليم، وأصدر قرار في تعيين أسعد كنج نقيباً في الجيش السوري.

كان للجولان حصته في الثورة السورية الكبرى في العام 1925 ضد الاستعمار الفرنسي حيث أعلن سكان الإقليم وعرب الجولان يتقدمهم المجاهد أسعد كنج أبو صالح انضمامهم للثورة، وراسلوا القائد العام لقوات الثورة السورية سلطان باشا الأطرش لكي يوسعوا رقعة الثورة لتشمل وادي التيم.

في أواخر شهر تشرين أول عام 1925 زار وفد من إقليم البلان سرا ً دارة سلطان الأطرش يبلغه فيها أن سكان الإقليم يشاركون في الثورة وهذا قرار اتخذه سكان الإقليم، وكشفت السلطات الفرنسية أمر الزيارة ومحتوياتها فقامت على الفور باعتقال الشيخ أسعد أبو صالح لمدة 15 يوماً فيما أبقت على زعيم الإقليم كنج أبو صالح في السجن، وطاردت محمود كنج أبو صالح لاشتراكه في عدة معارك في حوران وبعض المناوشات ضد الفرنسيين في مناطق الإقليم.

تعرض المجاهد أسعد كنج إلى الكثير من الإصابات الخطيرة في كافة أنحاء جسده أبرزها كان حين قصفت الطائرات الفرنسية منزله في مجدل شمس وأصيب بجراح خطيرة مع نهاية الثورة ، حيث اختبأ بصحبة الثوار وهو في حال ميؤوس منها، فحمله الثوار وعلى رأسهم الشيخ أبو محمود خزاعي ملفوفاً بجلد عجل ونقلوه إلى النبك ومن ثم إلى فلسطين لتلقي العلاج، وقد ذهل الحكماء والأطباء من قوة جسمه وتحمله على آلام جراحه البليغة.

شارك أسعدكنج في كافة المعارك ضد القوات الفرنسية التي شهدها إقليم البلان ووادي التيم، وكان في مقدمة الثوار في معارك راشيا الوادي وقلعة راشيا والبلان والسكرة والبويب ومعارك مجدل شمس الأولى والثانية ومعارك سعسع والشوكليتية وعين الشعرة ومعركة حاصبيا ومرجعيون وقرى البيرة والرفيد والمحيثه ومعركة ينطا ومعركة الفالوج التي دارت فيها معركة طاحنة خسر فيها المجاهدون سبعة شهداء، في حين خسر الفرنسيون أربعمائة قتيل. ويصف هذه المعركه المجاهد حسن شمس الذي شارك فيها قائلاً: “كنا مئة وأربعة عشر مجاهداً نملك بنادق بالإضافة إلى ستة مجاهدين لا يملكون السلاح، عند المساء وصلنا إلى الفالوج وقسمت القوة إلى مجموعات وتمركزت غالبية القوة من الجانب الغربي لأن الجهة الغربية كانت أوسع. كان الضباب كثيفاً والأرض مزروعة بالشعير، وعندما كنا هناك جاءت مجموعة من كامد اللوز لتحصد الشعير فأبعدناهم شرقاً. عند بزوغ الفجر وصلت قوة استطلاع من الشمال على غير ما كنا نتوقع، وكانت مرتفعة أكثر منا، فاحترنا، كيف يمكن أن نرتفع إلى مكان يمكننا من مجابهة القوة، وفجأة جاءنا الفرج، حيث عاد الضباب لينتشر بشكل كثيف، مما مكننا من التحرك وأخذ أماكن مناسبة. عندها وصلت طائرة وبدأت تلقي بالمناشير تبشر بوصول جيش من الجهة الجنوبية، وبالفعل وصل هذا الجيش واصطف الجنود للتحية، ففتحنا النار عليهم مئة وأربعة عشر مشط رصاص، قبل أن يستطيعوا تصويب بنادقهم. استمرت المعركه ثلاث ساعات ونصف اضطررنا بعدها للانسحاب عندما بدأ إطلاق نار من الشرق باتجاهنا، حيث علمنا أن هؤلاء الحصادة من كامد اللوز، الذين أبعدناهم شرقاً كانوا قد وصلوا إلى مخفر الحمَّارة وأبلغوا عن وجودنا فخفنا من التطويق وتراجعنا” .

في معركة البويب سد الثوار مداخل البلدة عند منطقة ” البويب” والسكرة” جنوبي مجدل شمس بهدف منع تقدم القوات الفرنسية، وكانت خطة الثوار تقضي بامتصاص الهجوم الفرنسي ومن ثم القيام بهجوم مضاد. وهكذا بدأت المعركة عندما هاجمت الطائرات الفرنسية مجدل شمس وبدأت قصفها بقذائفها، وفي الوقت نفسه تتقدم باتجاه القرية. وكانت مجموعات من الثوار تناوش العدو المتقدم باتجاه البلدة بدءاً من المناطق التي تقع غربي بقعاتا، التي وقعت بيد الأعداء حيث قاموا بإشعال النار في بعض بيوتها. واستمر تقدم الجيش الفرنسي حتى المساء وتوقف القتال عند حلول الظلام ورابط الجيش الفرنسي في قرية مسعدة وحول بركة رام، وفي اليوم التالي بدأ الفرنسيون بقصف مكثف لمواقع الثوار الممتدة من القاطع غرباً حتى السكرة شرقاً، وبدأوا بالتقدم باتجاه مداخل البلدة التي كان قد سدها الثوار بالصخور. وعند وصول القوات الفرنسية إلى هذه المداخل جرت معارك طاحنة استبسل فيها الثوار أشد استبسال، وحاربوا بالبندقية وبالسكين والفأس وبكل أداة حادة يملكونها، واستطاعوا تدمير ثلاث دبابات ومصفحتين عند موقع البويب. وقد حدثت بطولات كثيرة في المعركة، التي استمرت ستة أيام بلياليها، كان النصر في نهايتها حليف ثوار الجولان الذين سقط منهم بعض القادة مثل المجاهد فؤاد سليم، الذي أستشهد بعد أن سقطت قنبلة بجانبه وهو يحاول امتطاء حصانه قرب قرية سحيتا، عندما كانوا يطاردون فلول الجيش الفرنسي المهزوم .

زحفت القوات الفرنسية بقيادة الفرنسي غرانكور باتجاه حاصبيا، وفي الوقت نفسه بدأت قوة فرنسيه تزحف من القنيطرة باتجاه مجدل شمس والهدف إحداث فكي كماشة على الثوار الذين تفرقوا وعاد قسم كبير منهم إلى مجدل شمس من أجل الدفاع عنها. ودخلت القوات الفرنسية حاصبيا في الخامس من كانون الأول بعد معركة ضارية استشهد فيها العديد من الثوار. وكان من الطبيعي أن يستثمر الفرنسيون هذا النصر بالانقضاض على مجدل شمس، والتي تواجد فيها غالبية الثوار الذين وصلوا من وادي التيم.

في أواخر شهر آذار عام 1926 بلغ عدد الثوار في مجدل شمس من أهالي الجولان وإقليم البلان حوالي ستمائة مقاتل، كانوا تحت قيادة المجاهد أسعد كنج أبو صالح. ومنذ أواخر آذار وبداية شهر نيسان بدأ الثوار بالتصدي للحملات الفرنسية في مواقع مختلفة مثل خان أرنبة، وجباتا الخشب، والغجر، ووادي العسل، وكبدوا الفرنسيين خسائر فادحة بالأرواح والعتاد. ولم يترك الثوار المجال للقوات الفرنسية بالراحة ليل نهار، إلا أن الطائرات الفرنسية بدأت مع مطلع الثالث من نيسان بقصف جوي مكثف على المجدل وضواحيها، وبدأت أيضاً المدفعية تنصبّ من كل جانب، وأستطاع الثوار رغم ذلك صد المدرعات والآليات ودحر المشاة، وبدأوا يستعدون لهجوم معاكس على القوات الفرنسية، التي هاجمت مجدل شمس من جهات مختلفة.

تحولت مجدل شمس إلى مركز لثوار إقليم البلان، تحت قيادة أسعد كنج أبو صالح فقرر الفرنسيون الاستيلاء على المجدل، وفي ذلك يقول سلطان باشا الأطرش في مذكراته: “إنه من الطبيعي أن يحاول الفرنسيون تطهير الإقليم من الثوار، بعد أن سيطروا نسبياً على الموقف في المناطق الأخرى، وحدوا من الأخطار التي كانت تحدق بخطوط مواصلتهم الرئيسية ومراكزهم العسكرية الهامة فيها، فإذا تم لهم ذلك (أي الاستيلاء على مجدل شمس) يصبح طريق السويداء مفتوحاً أمامهم ويتفرغون لخوض المعركة الحاسمة”.

ومع نهاية شهر آذار عام 1926م، جهز الفرنسيون حملتين الأولى انطلقت من مرجعيون وهدفها مهاجمة القرية من الغرب والشمال الغربي، والثانية انطلقت من القنيطرة وهدفها الهجوم من الشرق والجنوب، وتبقى فقط الجهة الشمالية الشرقية مفتوحة للثوار وهي منطقه جبلية وعرة مكشوفة للطائرات، وقد أنيط بالجنرال كليمان غرانكور قيادة هذه الحملة.

كان عدد القوات الفرنسية الهائل – التي زجت في المعركة والمدججة بكل أنواع الأسلحة من طائرات ومدرعات ومدافع، مقارنة مع عدد المجاهدين وأسلحتهم المتواضعة من جهة، وهجوم الفرنسيين من جهات مجدل شمس المختلفة- فرض على الثوار رغم قلة عددهم التوزع بمجموعات صغيرة على أطراف البلدة المختلفة من جهة ثانية، هذا إضافة إلى الجبهة الشمالية الغربية التي فاجأهم منها وصول المغاوير الفرنسيين عن طريق بركة مرج المن مقتربين، بمساعدة أحد العملاء، من المكان الذي لجأت إليه النساء والأطفال والعجزة، هذه الأسباب مجتمعة جعلت قائد الثورة المجاهد أسعد كنج أبو صالح يأخذ قرار الانسحاب المنظم لحماية النساء والأطفال والعجزة.

سير الفرنسيون حملة بقيادة الجنرال” ماسيت” باتجاه القنيطرة، وذلك على أثر هزيمتهم في معركة مجدل شمس الأولى، واشتبك الثوار مع هذه الحملة عند وعرة “دورين” وهي مزرعة تابعه لعين الشعرة، وامتد القتال من قرية سعسع حتى الشوكتلية، واشتد قرب قرية سعسع حتى كادت مجموعة من الثوار أن تباد، لولا الهجوم المعاكس الذي قامت به مجموعة أخرى من الثوار، حيث استطاعوا فك الحصار وأنقذوا إخوانهم .

يذكر قائد الثورة العام سلطان باشا الأطرش:” أن أبطال ثورة الإقليم بقيادة أسعد كنج أبو صالح تولوا حماية ظهر المنسحبين”. الذين وصلوا إلى قرى جبل العرب، حيث استقبلوا هناك بكل رحابة صدر .

انضم ثوار الجولان وإقليم البلان إلى ثوار جبل العرب وخاضوا معاً المعارك ضد القوات الفرنسية واستشهد وجرح عدد منهم. إلا أن القوات الفرنسية بقيادة الجنرال أندريه استطاعت أن تستولي على السويداء، فاتخذت قيادة الثورة في اجتماع “سالي ” مجموعة من الخطوات والتدابير بهدف مهاجمة العدو وإشعاره بصلابة عزيمة الثوار وتصميمهم على القتال وعدم الاستسلام. وكانت إحدى هذه القرارات إعادة القوات النازحة من الإقليم، في محاولة لإحياء الثورة هناك من جديد، وبالفعل عادت مجموعة من المقاتلين من لبنان ومن الإقليم بقيادة المجاهدين الأمير عادل أرسلان وأسعد كنج أبو صالح. وكان قد انضم إلى هذه الحملة أيضا المجاهد أحمد مريود، ولحق بالثوار بعد ذلك كلاً من الأمير عز الدين الجزائري وصبري العسلي .

ويذكر محمود عبيدات أن الزعيم أحمد مريود اجتمع بأهالي الجولان، الذين نزحوا إلى الجبل بعد المعارك الحاسمة التي خاضها الثوار ضد القوات الفرنسية، واستمع منهم إلى المعاناة التي لاقاها أهل مجدل شمس وقلعة جندل، وقال أحدهم إن عدد شهداء مجدل شمس بلغ أكثر من تسعين شهيداً وتحولت هذه القرية إلى مقبرة جماعية للنساء والأطفال والشيوخ الذين لم يتمكنوا من مغادرتها عندما احتلها الفرنسيون. وعرض أهل الجولان رغبتهم بالعودة إلى ديارهم وإلى القتال من جديد.

تم حرق منزل الشيخ أسعد كنج على يد الفرنسيين انتقاماً منهم على قيادته للثورة في إقليم البلان. نزح الشيخ أسعد كنج إلى فلسطين بعد فشل الثورة والسيطرة على مجدل شمس وإقليم البلان وبقي هناك حتى صدور العفو العام عام 1937 حيث استقبل استقبال الأبطال في إقليم البلان وجبل العرب.

توفي الثائر أسعد كنج أبو صالح في 6 آذار عام 1963م، وشارك في تشييع جثمانه الآلاف من أبناء عشائر الجولان وحوران ودرعا والقنيطرة ودمشق ومئات المجاهدين القدامى.

في 16 نيسان عام 1963 وبمناسبة ذكرى الأربعين لوفاته شارك القائد العام لقوات الثورة السورية الكبرى سلطان باشا الأطرش، مع وفود كبيرة من مناطق الجبل ومختلف المحافظات السورية ومن مختلف المناطق اللبنانية، وشارك الوزير السوري في حكومة الثورة أحمد أبو صالح مندوب الرئيس أمين الحافظ رئيس مجلس قيادة الثورة حفل التأبين حيث وصل وفد الباشا إلى بلدة مجدل شمس وحملته جماهير المستقبلين من أبناء الجولان بمختلف طوائفهم ومللهم على الأكتاف عند منطقة البويب مدخل مجدل شمس الجنوبي إلى مكان التأبين الذي كان في منطقة البيادر ( الملعب البلدي الحالي).

ومن الشخصيات السياسية والعسكرية اللواء الركن محمد علون، وشبلي العيسمي، والوزير أحمد أبو صالح ، ومنصور الأطرش، والمقدم كمال أبو اللطيف من لبنان، ومحمد سعيد طالب، ووليد طالب. ومن هيئة أركان الجيش السوري، على الأطرش، وزيد الأطرش، وحسن السقا. وعشرات المجاهدين وممثلي العشائر والفعاليات والأطر الحزبية والسياسية السورية، إضافة إلى أحد قادة الثورة الزعيم نسيب البكري، والمحامي حسين عزيز، وسيطان نصر من وجهاء جبل العرب.

بقى سلطان الأطرش في الجولان ثلاثة أيام برفقة زوجته، حيث زار العديد من وجهاء العائلات والحمولات الجولانية، وزار قرية بقعاتا، وأتت وفود من قرى الغجر وزعورا وفيق والبطيحة والخشنية والقنيطرة لحفل استقباله وتأبين المغفور له أسعد كنج أبو صالح، وقد قال سلطان الاطرش آنذاك: “لقد جلسنا جميعاً على سجادة خضراء طبيعية رائعة الجمال”.

لم يتبق بيت في قرى الجولان إلا وشارك في استضافة وفداً من الوفود المشاركة في طقوس الأربعين للمجاهد أسعد كنج أبو صالح

المصادر:

حروبناالدامية ومن ايامنا الحمراء- محمد سعيد العاص

اقليم البلان- ثائر ابو صالح

مركز الجولان للإعلام والنشر/ ايمن ابو جبل

أحفاد المجاهد اسعد كنج ابو صالح  د. مجد ابو صالح- د. ثائر ابو صالح- الاستاذ صقر ابو صالح- كنج ابو صالح)

 

الآثار في مجدل شمس

 جبل الشيخ

منذ أحد عشرألف عام قبل الآن قررت إحدى جماعات الصيد والالتقاط التي كانت على الأرجح تجوب سفوح جبل حرمون الشرقية, قريبا من موقع قطنه الحالي, ألا تقضي شتاء آخر فوق السهل الممتد عند أقدام الجبل, فغادر هؤلاء الصيادين المنطقة حاملين معهم حبوب الذرة والشعير التي كانوا قد التقطوها قبل الرحيل وساروا حتى وصلوا مكان سهلي خصب يكثر فيه الماء. هذا الموقع الجديد هو تل أسود القريب من دمشق, سكنه قدماء الناس وبدأوا فيه إنجاز أهم مشروع عرفته البشرية إلى الآن, حتى أن العلماء وصفوه بالثورة وأطلقوا عليه الثورة النيوليتيه. وفي موقعين آخرين الأول شمال سوريا يدعى المريبط, والثاني في فلسطين وهو أريحا بدأت مجموعات بشريه أخرى تزاول الزراعة دون اتفاق مسبق أو اتصال مباشر بين الفرق الثلاثة.

ولعل أكثر الظواهر التي شدّت أنظار المستوطنين الجدد ومن جاء بعدهم ذلك الارتفاع الشاهق لجبل الشيخ المطل على كافة السهول الممتدة إلى الجنوب من سوريا, فدفع جلال ذلك المنظر بالكنعانيين إلى تأليه الجبل, وأطلقوا عليه بعل حرمون, وشيدوا فوقه هياكل ومعابد لا زال يحمل آثارها إلى اليوم. كان السوريون القدماء يصعدون قمة الجبل أواخر كل صيف ويسكبون الماء عليه, وظلت الطقوس الدينية تقوم فوق الجبل إلى العهد البيزنطي – إبّان انتشار الديانة المسيحية – فالمصادر تذكر أن الوثنيين الذين عبدوا الشمس ظنوا أنهم يقتربون من معبودتهم الساطعة, فوق الجبل أكثر من أي مكان آخر. ولعل أقدم ما بقي من آثار المعابد الوثنية فوق بعل حرمون ذلك المعبد القابع فوق أعلى قمم الجبل, غير أن التنقيبات الأثرية لم تجر هناك, والمعلومات غير متوفرة عن تاريخ ذلك المعبد, مع ذلك تشير البقايا الحجرية إلى تصميم تقليدي ينقسم بين ساحة مصوّرة بحائط حجري على شكل بيضوي, وهيكل مستدير الشكل يبلغ قطره حوالي ستين قدماً وبداخله قدس الأقداس المحفور داخل صخرة ارتفاعها نحو خمسة عشر قدماً بعمق ثمانية أقدام. ويبدو أن الموقع استعمل في وقت لاحق مكاناً للسكن لذلك أسماه الناس قصر شبيب, وتداولوا حكاية أقرب إلى الأسطورة تقول أن شبيب كان أميراً يمنياً مات على أيدي أبو زيد الهلالي في إحدى حجرات القصر الذي عرف أيضاً بقصر عنتر, ولكن لا قيمة تاريخية لكلتا التسميتين. هناك أيضاً بناء آخر قريب من القصر قد بناه الأمير نجم الشهابي في العام 1195 م لغرض الاستجمام في فصل الصيف, وفيه فاضت قريحة الأمير ببعض الأبيات من الشعر منها:

ومنزلاً فوق قنّ الشيخ بتّ به

معانق الأنس واللذات والطرب

أهدى لنا من ربا نجد معطرة

ومنظراً من ديار العجم والعرب

من الآثار الباقية فوق جبل الشيخ أيضاً, تلك الأجران الرومانية المتواجدة في مكان يدعى المطابخيات قرب تلة الجراجمة, كان الرومان يشعلون فيه النار فتشاهد من مدينة قبرص على ما يذكر الدكتور فيليب حتّي. إضافة لتلك البقايا الأثرية, هناك نص اكتشف على أيدي الأثري البريطاني جورج سميث عام 1966 م, يعود إلى القرن التاسع ق. م دوّنه الملك الأشوري شلمنصر, ويصف فيه أعماله الحربية فيقول: ” في السنة الثالثة من ملكي عبرت الفرات للمرة السادسة عشرة وكان الملك حزائيل الآرامي الواثق من قوته قد حشد جيشاً عظيماً وتمركز عند جبل سنيرو عند مدخل لبنان حصنه القوي “. حزائيل هذا كان ملك آرام دمشق, وسنيرو هو جبل الشيخ عند الأشوريين إضافة لما عرف به من أسماء كثيرة, فالصيدونيون كانوا يدعونه حرمون سيرون, والأموريون سنير أو شنير, وعرفه العبرانيون باسم سيئون وسعير كما ورد في العهد القديم, ودعاه الآراميون طور ثلجا, أما اليونانيون ومن بعدهم الرومان فأطلقوا عليه اسم أنتيليبانوس أي المواجه للبنان, وأخيراً أطلق عليه العرب اسم جبل الثلج, فقد جاء فيه في قصيدة لحسان بن ثابت يمدح فيها أميرين من أخواله من آل جفنه الغساسنة:

ملكاً من جبل الثلج إلى

جانبي آيلة من عبد وحر

ثم كانا خير من نال الندى

سبقا الناس بإقساط وبر

لا شك أن تسمية جبل الثلج أكثر الأسماء تعبيراً عن علاقة من نوع آخر قامت بين الجبل ومحيطه القريب والبعيد, إذ كان منذ العصور القديمة إلى وقت قريب يمد البلدان بالثلج خلال فصل الصيف القائظ. استورده الفراعنة عن طريق مدينة صور محملاً فوق السفن, كذلك فعل ملوك صيدا وصور ودمشق وتدمر حتى راجت هذه التجارة وامتهنها البعض من الناس.

بقي أخيراً أن ننوه إلى آثار قلعة جندل الواقعة على السفوح الشرقية لجبل الشيخ وسط قرية جندل التي أخذت اسمها عن القلعة. وينسب بناء القلعة إلى شخص يدعى جندل هو الجد الأول للجنادلة, لكن المؤرخ عيسى اسكندر المعلوف يذكر أن القلعة قد بنيت قبل استقرار الجنادلة في الموقع, ويشير المعلوف إلى كتابة يونانية كانت موجودة في العام 1934م على عتبة القلعة يرد فيها الإسم في اليونانية ساما آتي مما يعني أن اليونان هم أول من بنوها في أعقاب حملة الإسكندر المقدوني عام 333 ق.م على المنطقة, ويؤكد هذا الرأي وجود الكثير من المدافن اليونانية في المنطقة, إضافة إلى الاهتمام الروماني بتشييد الأبنية والقبور فيها, كما يلاحظ في منطقة برقش في قلب الجبل على مسافة قريبة شمالي قلعة جندل. وعلى ما يبدو فإن جد الجنادلة قد رمّمها, وظل الجنادلة بعده يتوارثونها إلى أن جاء الضحاك بن قيس واعتصم فيها أيام الملك العادل نور الدين الذي حاصرها ثم دمّرها بعد تخليصها من الضحاك, وظلت هذه القلعة مهملة إلى أن تحصّن بها الدروز أثناء حربهم مع إبراهيم باشا المصري الذي حاصرها هو الآخر ثم قام بتدميرها.

إن انتشار البقايا الأثرية فوق جبل الشيخ لا يقتصر على المواقع المذكورة, وقد تكون وعورة الجبل قد أجّلت قيام مسوحات أثرية فوق سطحه, كما أن وقوع القسم الجنوبي الغربي من الجبل ضمن نقاط الصراع العسكري بين العرب وإسرائيل قد منع من دراسة بعض الآثار المنتشرة عند تلك السفوح, على كل حال لم تنل آثار الجولان بمجملها قدراً من الاهتمام يناسب عراقة هذه الآثار لعدد من الأسباب الوجيهة, فمن المؤكد أن المواقع الأثرية في الجولان أو سواه من مناطق سوريا لا تنافس المكتشفات الكبرى التي أحدثت ضجة واسعة على مستوى محلّي وعالمي مثل: ماري وإيبلا وأوغاريت وغيرها, ز

قلعة الصبيبة/ قلعة النمرود

يطلق عليها أيضاً قلعة النمرود دون الإحاطة بمصدر هذا الاسم وتاريخه. وهي قلعة حصينة تقع شمالي مدينة بانياس فوق تل طبيعي تأخذ شكله في بنائها. ترتفع عن سطح البحر 816م , وعن مدينة بانياس 300 م. يشترك تاريخ القلعة الدفاعي مع تاريخ بانياس كونهما يقعان على منفذ عبور إلى منطقة دمشق, أو بالعكس من دمشق إلى فلسطين. لذلك نجد بعض المؤرخين القدماء قد أطلقوا عليها اسم قلعة بانياس. وقد بناها العرب المسلمون في تاريخ غير معروف بالضبط, فأول الإشارات التاريخية إلى القلعة جاءت على أنها كانت حصناً للأتابك الدمشقي, فقام ظهير الدين تغطكين عام 1126م بتسليمها إلى الإسماعيليين ليجعلهم على صدام مع الفرنجة ويتقي خطرهم عليه, لكنهم قاموا بتسليمها إلى الصليبيين عام 1129م بعد أن اشتد نزاعهم مع الأتابك الحاكم في دمشق. وقد قام الملك الصليبي بلدوين بمنحها إقطاعة لروبنيه بروس وورثته من بعده, لكن ذلك لم يدم طويلاً, إذ أن تاج الملوك بوري قد استعادها في العام 1132م بعد أن صار حاكماً على دمشق, ووضع فيها أحد قواده لكن هذا الأخير قام بتسليمها إلى عماد الدين زنكي صاحب حلب وعدو حكام دمشق اللدود. ولم يستطع هؤلاء استرجاعها إلا عندما قام مجير الدين أبق بن محمد بن بوري بالاتفاق مع الصليبيين على مهاجمة القلعة, واستردوها بالفعل بعد هجوم مشترك في العام 1139م , وأصبحت من جديد تحت السيطرة الصليبية بعد أن طردوا حليفهم مجير الدين المذكور, ووضعوا عليها القائد أنفري الثاني دو تورون نائب ملك القدس, فقام هذا بإصلاح التحصينات في القلعة, لكنه في العام 1164م قد رافق الحملة الصليبية على مصر, فانتهز السلطان نور الدين الفرصة وحاصر القلعة إلى أن سيطر عليها بعد عدة محاولات. وقد عاد الصليبيون في العام 1174م بتطويق القلعة بقيادة الملك أملريك الذي توفي أثناء الحصار فظلت القلعة سليمة بأيدي العرب إلى العام 1219م حيث قام المعظم أمير دمشق بهدم تحصيناتها خوفاً من استيلاء الصليبيين عليها, وجعلها قاعدة لهجماتهم على دمشق بعد النجاح الذي أصابوه في الحملة الصليبية الخامسة على المنطقة. وقد تم ترميم القاعة بعد ذلك من قبل العزيز عثمان إلا أن هولاكو ملك التتار أمر بهدمها عندما اجتاح سوريا, وظلت هكذا حتى قام الظاهر بيبرس في العام 1260م بترميمها من جديد, وأنشأ منارة لجامعها, وبنى داراً لنائب السلطنة, وجسراً يوصل إلى القلعة. لكن القلعة قد فقدت أهميتها بعد وقت قصير عندما زال الخطر الصليبي, وآلت أجزاؤها إلى خراب مع مرور الزمن. وآخر ما يذكر عن القلعة أن الأمير إسماعيل الشهابي حاكم حاصبيا قام بإصلاحها وسكن فيها فحضر إليه والي دمشق عثمان باشا الصادق الكرجي وحاصره إلى أن سلّم القلعة, فقام عثمان باشا بنهبها وهدمها للمرة الأخيرة.

تعتبر هندسة هذه القلعة نموذجاً لعدد من القلاع التي شاع انتشارها في تلك الحقبة التاريخية. بنيت جدرانها من الحجر الكلسي بسماكة أربعة أمتار, وزودت أسوارها بأربعة عشر برجاً دفاعياً, بعضها مربع الشكل, والبعض الآخر مستدير. وحوت بداخلها خزان ماء كبير للشرب ومخازن, إضافة إلى المسجد والمرفقات السكنية والدفاعية. وقد كان للقلعة مدخلاً وحيداً من جهة الجنوب محاطاً ببرجين دفاعيين على شكل مربع.

 

خربة بير نصوبة

بير نصوبة وهذه الأرض آثرية   تعود الى فترة الآراميين القدامي الذين سكنوا المنطقة وجبل الشيخ  .وجنوبي بير نصوبة أرض تدعى شعب المجدل وهذه الأرض تحاذي أرض مجدل شمس من الجهة الشرقية.

مقبرة اليهود

حيث تقول الاساطير التوراتية ان  عدد من اليهود سكنوا قديما البلدة الى جانب سكانها الذين تعاقبوا عليها ويوج مقبرة لليهود شمالي الملعب الرياضي البلدي تمتد من بيت  ابو فخري سليمان المقت حالياً  وتشمل بيت المرحوم ابو جهاد الحلبي  حتى بيوت الشيخ المرحوم علي ابو جبل ( نعمان ابو جبل  واولاده، وبيت المرحوم ابو خالد نايف ابو صالح) تمثال اسعد كنج ابو صالح) في الحارة الغربية . الا ان التاريخ العربي والاسلامي ينفي هذا الادعاء الذي لا يستند الى اي وثائق علمية او تاريخية ..

الكنيسة في مجدل شمس

ان التراث الشعبي هو انعكاس لهوية الشعب وتاريخه، ويحكي قصة الإنسان القديم الذي استوطن هذه البقاع، ويبرز مراحل تطوره وابداعه وبقاءه،تاريخ الجولان وتراثه سيبقى متواصلا ومستمرا لا يمكن له ان يخبو او يموت، فالذاكرة الجماعية لا تزال حية  في الوجدان تتناقلها الاجيال جيلا بعد جيل..

كنيسة مجدل شمس هل اليوم بقايا لكنيسة للطائفة الأرثوذكسية في مجدل شمس، تدمرت أكثر من مرة كان أخرها أثناء قصف الطيران الفرنسي للكنيسة وتدميرها في العام 1925 تعلم فيها وزير الخارجية السورية فارس الخوري احد رواد الاستقلال السوري وتعلم فيها العديد من ابناء مجدل شمس .تقع بجانب بيت الشيخ  المرحوم فؤاد كنج ابو صالح  وبجانبها بيت  قديم يقدر عمره الزمني بأكثر من 140 عاماً،  حيث قام ابراهيم وخليل ابو جمرة وهم من العائلات المسيحية المعروفة والعريقة في مجدل شمس ببناء هذا البيت حوالي العام 1890 ،حيث بُنى الى  جوار الكنيسة،وعاشوا فيه سنوات طويلة حتى قصفت الطائرات الفرنسية قرية مجدل شمس واشعل جنود الانتداب الفرنسي النار في بيوت مجدل شمس، انتقاماً من الثوار والمجاهدين، فهرب اصحابه كباقي السكان الى الجبال والمناطق الآمنة، وتحول البيت والكنيسة إلى خربة، تم بيع البيت بعد الثورة الى المجاهد المرحوم اسعد كنج ابو صالح . وفي العام 1928 اشتراه المرحوم حمود سلمان ابو صالح ( جد السيد علي مهنا ابو صالح ” ابو زياد” )، فيما بقيت الكنيسة وقفاً دينياً للطائفة المسيحية لغاية اليوم… في خمسينيات القرن الماضي شهد البيت” الطابق الأرضي ” عملية ترميم فنية شملت القناطر والجدران  قام بها المرحوم أبو علي انيس السيد احمد واخوته وبنى بئر الماء فيه الشيخ ابو حسن اسماعيل شمس، واستجلب باطون البيت والبئر على ظهر البغال من راشيا في لبنان،. فيما صنعت اكواب الطين التي غطت الجدران من تربة تل الريحان في مجدل شمس.. في العام 1951 تحول  قسماً من المنزل الى مدرسة ابتدائية واشرف على عملية التدريس فيها كل الأستاذ مروان ذيب وحسين المصري وزكي ماشفج وهو احد الإخوة الشركس من قرية المنصورة.. وسكن أصحابه فيه إلى ما قبل عدة سنوات، بما فيهم السيد  على مهنا ابو صالح ” ابو زياد” المولود في العام 1947 وهو صاحب البيت الشرعي،  وقد اوكل المنزل اليوم إلى صهره السيد علاء الصفدي، بعد  وفاة ذويه وزواج أخواته، وبقى المنزل مهجورا في انتظار عودة صاحبه من  غربته القسرية عن مسقط رأسه مجدل شمس، حيث ترك البلدة ليلتحق في صفوف الجيش السوري قبل الاحتلال ولا يزال يعيش  في مزرعته المطلة على بلدة مجدل شمس شرقي خط وقف اطلاق النار

احتضن  المنزل قبل عدة سنوات  متحف المقتنيات التراثية والتاريخية في الجولان العربي السوري المحتل  لتُكتب على جدرانه  باحرف مضيئة حكايات من الجولان تمتد  لاكثر من 300 عام وهي العمر الزمني المُقدر لهذه المنطقة، كتواصل بشري واحد… هنا وُلدت مأثر تاريخية، ترويها جدران هذا البيت الذي بفضل الجهود الكبيرة التي بذلها العشرات من ابناء الجولان جسديا ومعنويا وماديا،ً يتحول تدريجياً الى مكان لصون الهوية السورية لأبناء الجولان، تلك الهوية المهددة بالسرقة والتزوير والاندثار، هنا في هذا البيت يمتزج حاضر الجولان في ماضيه وتراثه مكوناً ارثاً غنياً تغذيه هذه الجذور الحية في الذاكرة الجولانية التي لا تزال تتكئ على الأصيل من قيم الماضي ومحطاته النضالية ضد محاولات الغزاة والدخلاء محو هذا التاريخ الجولاني الأصيل… على أمل ان يشمل المتحف العديد من الصور والمخطوطات والأدوات والوثائق والدراسات التي تحاكي أجزاء من حياة شعبنا …

 

 

 

 

 

 

 

مراجع البحث

1- أباظة, عصام – شيشكلي, هشام: الجولان – دمشق 1975.

2- أبو عساف, علي: الآراميون تاريخاً ولغة وفناً – دار الأمانة 1988.

3- أبو عساف, علي: فنون الممالك القديمة في سوريا – دار شمأل 1993.

4- المعلوف, عيسى اسكندر: دواني القطوف – تحقيق عقبى زيدان – دار حوران 2003.

5- المعجم الجغرافي للقطر العربي السوري: طباعة المؤسسة العامة للمساحة – دمشق 1992.

6- دائرة المعارف الإسلامية: المجلد السابع – دار المعارف بيروت.

7- رائف العابد, مفيد: سوريا في عهد السلوقيين – دار الشمال 1993.

8- ساطع, أكرم: القلاع والحصون في سوريا – دار دمشق ومكتبة أطلس 1992.

9- سلوم, عبد الحكيم: درر البيان في تاريخ الجولان – دار النمير 2002.

10- شوماخر, جوتليب: الجولان – ترجمة منير كنعان – مؤسسة الأرض للدراسات الفلسطينية.

11- عمارة يحيى, حسين: تاريخ وادي التيم والأقاليم المجاورة – ينطا 1985.

12- وولفغانغ, مولر: القلاع أيام الحروب الصليبية – ترجمة محمد وليد الجلاّد, سعيد طيان – دار الفكر 1984.

13- مركز الجولان للاعلام والنشر -جمعية جولان لتنمية القرى العربية تحقيق-ايمن ابو جبل –

14- موقع الجولان الالكتروني – المعالم الأثرية في الجولان -نضال الشوفي  2008

15- مجلس الاقليمي للمستوطنات الاسرائيلي في الجولان المحتل

 

 

 

 

عن astarr net

شاهد أيضاً

20201119_123535

في الجولان المحتل: السكان قلقون… و”رائحة الحرب في كل مكان”

في الجولان المحتل: السكان قلقون… و”رائحة الحرب في كل مكان“ صبي من السكان الدروز في …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: النسخ ممنوع !!