السبت , يناير 28 2023
الرئيسية / اخبار سياسية / الاخبار / اخبار محلية / الجولان.. رجال التفاح يواجهون نزيفَ الحجرِ والشّجر
447

الجولان.. رجال التفاح يواجهون نزيفَ الحجرِ والشّجر

الجولان.. رجال التفاح يواجهون نزيفَ الحجرِ والشّجر

محمد جميل خضر 29 أكتوبر 2022
منبر ثقافي عربي 

 

 

الجولان.. رجال التفاح يواجهون نزيفَ الحجرِ والشّجر

عروبة الجولان حصان الرهان

بمحاذاة نهر اليرموك ووادي الرقّاد، وإلى الشمال منهما، جنوب جبل الشيخ ووادي السعّار، غرب دمشق عاصمة الأمويين بحوالي 60 كيلومترًا، وشرق بحيرة طبريا الفلسطينية المحتلة، ومرج الحولة في الجليل الفلسطيني المحتل، تطلُّ هضبة الجولان السورية العربية المحتلة لتروي قصتها.
القادم إلى الهضبة من دمشق، لا بد أن يمرّ قبل وصوله إليها، بمدينة القنيطرة السورية نصف المحررة نصف المحتلة، حيث لا يبقى له كي يصل السهل الصاعد نحو الهضبة سوى عشرة كيلومترات إن كان القياس يعتمد على عدّاد السيارة، وأمّا بالنسبة لعداد السياسة والنزعات التوسعية لدى الكيان الاستعماريّ، فالجولان، بوصفه مكانًا وذاكرة وموئل أحرار، يصبح بعيدًا وغير متاح.

يا الجولان

والسؤال الأول: هل الجولان هضبة فندلّلها ونؤنّثها ونذيل نداءاتنا لها بتاء التأنيث؟ أم لعلها ذاكرة فيبقى الأمر على حاله من ناحية التأنيث المضاف إليه شلعة الروح، وعنعنات الهوى والفؤاد؟ أم لعل الجولان رمزٌ للصمود، وجسرٌ للعبور، وزهرٌ للرمّان حين يئنُّ الأوان؟
وفق الأفق الثالث، يصبح الجولان صدرًا للرصاص، لحنًا للأغاني:
“يا زهر الرمّان.. آن أوانك آن..
تتفتِّح عا مجدل شمس
تتصبِّح على الجولان
آن أوانك يا زهر الرمان.
الّلي ناطر عجمر النار
حتى الربيع يطُل
الّلي حامل علم وحجار
حر ما يطيق الذُّل
يرفع علم سورية يرفعو فوق فوق ترابو
عطشان للحرية مشتاق للأوطان
ينده على الحرية”.
إلى أن يقول الفنان السوري سميح شقير، وبما يشبه الوجع المستحيل، واللوعة التي نضب الكلام قبل أن يتسنّى له التعبير عنها:

سميح شقير: بيني وبين أهلي وناسي جمحة فرس

“بيني وبين أهلي وناسي رمية حجر
جمحة فرس
خطوة فوق شريط وخطوة
فوق خوذات الحرس
بيني وبين أهلي وناسي
وللي نده بالصوت وين راحو ينطر صدى
خبطة قدم أبطال هدارة تملا الفضا
يا غيوم ملياني غضب
شتّي حتى الرضى
خلص الكلام ونضب”.
الجغرافيا الفاتنة..

أرض العذوبة وهضبة الإباء

جغرافيا جامعة يحظى بها الجولان المحتل (وليس المنطقة المتنازع عليها، كما بات موقع “ويكيبيديا”، للأسف الشديد، يكتب على خريطة الهضبة)، تطلّ على بلاد الشام جميعها، وهي بالتالي جغرافيا فاتنة، تغري الطامعين، تحرّك مجسّات النهب عند من لا يجدون غضاضة بالتطاول على خيرات غيرهم، ويدّعون أن يهوه (رب الجنود) أتاح لهم أرضًا غير واسعة ليسرحوا فيها ويمرحوا ويعلنوا ضمّ أيَّ بُقعة، أو هضبة، أو فسحة من حق غيرهم، مقدّسة كانت، أو غير مقدّسة، فالقدسية، بحسب تلمودهم، وجهة نظر. والحركة الصهيونية لم تقصّر بمسألة تزييف الحقائق حول المقدّس والمدنّس، ولم تألُ جهدًا بتجيير كل مقدّس لهم، وكل مدنّس لغيرهم من شعوب الأرض وأصحاب الحق.

ورغم كل هذه الجغرافيا الباذخة المطلّة على كل البلاد التي تقطر مع الدماء عروبة، التي يرفع بعض طغاتها شعارًا من طراز: “أمة عربية واحدة، ذات رسالة خالدة”، إلا أن الهضبة الحزينة الأبية الصامدة تعاني من حصارٍ لا يرحم، ونسيانٍ لا يليق، وتجاهلٍ يشلع الروح.
عن تلك الجغرافيا المحاصرة، سألنا الصحافي والأسير المحرر أيمن أبو جبل:
(*) يملك الجولان جغرافيا جامعة تطل على بلاد الشام جميعها، كيف يمكن أن يستثمر الأهل هناك هذه الميزة، وجعلها عامل تقارب ووحدة بين أبناء منطقة وجدانية وتاريخية واحدة، خصوصًا مع فرض الكيان الغاصب عليهم عزلة لا تتناسب مع طبيعتهم الاجتماعية المرحبة الودودة؟
أيمن بو جبل: للأسف الشديد لا يمتلك الجولان التفرد للاستثمار بحكم الافتقاد إلى مقومات كسر الحصار السياسي والاقتصادي والثقافي، الذي يقع على مسؤولية الدولة صاحبة السيادة. استثمار خيرات الجولان أجادته الدولة العبرية بخطابها ورؤيتها في ظل صمت الدولة السورية الأم.
عن تلك الجغرافيا التي تاهت في غياهب الجب، تكتب السيناريست السورية، سلام محمد، ما يشلع القلب في مجلة “أوراق” تحت عنوان “الغمام والجولان يسكن وجوه جداتي”، معلنة انحيازها لهذا الغمام الذي يشكّل في النص استعارة مكانية دلالية للجولان بأحزانه وحكاياته وأساطير الغابرين فيه: “أنا من نسل نسوة متشحات بالسواد والصبر، مترعات بالحزن الشفيف والكبرياء. جدّات يروينَ حكايات مبهرة عن الغيلان والفرسان، وقصص الحب اليتيمة”.
تسرد سلام محمد في النص حكاية حبّابتيْها (جدّتيْها) ترفة ويُمنى، ولكن حكاية الأولى منهما تشبه، إلى حدٍّ بعيد، حكاية الجولان نفسه، الذي تاهت بوصلات الطريق إليه، داخل أحياء دمشق المتداخلة، المنسحبة نحو أسئلة العيش واضطراب اليقين.
تعب الجغرافيا ينام فوق تضاريس وجه العجوز التي ظلّت تسأل عن البعيدين خلف الحرس والأسلاك الشائكة: “يا ولدي عين ميمون من هين؟ ما شفتم بيت نزهة؟”. تلك أسئلتها عندما خرجت من بيتها الدمشقي مستجيبة لدعوة نسجها خيالها، تؤكد فيها أن نزهة تناديها لِيَرِدا معًا “عين ميمون”. هو تيه يتقاطع وجدانيًا وموضوعيًا مع تيه الجولان، وتيه الأهل في شكل التعامل معه، والتفاعل مع أسئلة الوجود التي يطرحها مع إطلالة كل صباح: “تاهت جدتي ترفة زوجة الشيخ موسى، ولم تعرف طريق العودة أبدًا. كانت تسير في حارات غريبة، وترنو بعينيها إلى طرقات لم تألفها يومًا، سيارات وإشارات مرور، ونسوة يتمتمن بأدعية كلما رأينها، ورجال يسألونها “وين بيتك يا حجة؟ وين ساكنة؟ من وين إنتي يا حجة؟”. كانت كلها أسئلة مريبة وصعبة جدًا على عجوز تجري وراء الغيم”.
الجدّة ترفة رحلت من دون أن تنال أجوبتها عن أسئلة واصلت طرحها منذ غادرت جولانها، غريبة ماتت، كسيرة القلب والفؤاد: “عادت جدتي ترفة من تيهها بثقب في القلب، حزينة مهزومة، ربما أدركت للمرة الأولى بعد 55 عامًا من النزوح، أنها فقدت بيتها وموطنها الأصلي، وأنها باتت تعيش في مكان مخيف وغريب وشامت. بعد أشهر قليلة من ضياعها في شوارع دمشق القديمة، دبّ المرض في أوصالها، وتوفيت وهي كسيرة الروح والقلب”.
كم تشبه ترفة الجولان، كم تتعانق التضاريس مع ساكنيها، كم تخنقنا الجغرافيا في كثير من الأحيان:
“عندما زرتها قبل وفاتها كانت تجلس في الحوش، تجدل ضفائرها الطويلة وتغني بصوت ساحر: “يا محمد خذيت قليبي والأسود غزاه الشيب.. لا تروح وخلّك قريب.. برد القلوب ادّفيها”.
أما وصيتها لحفيدتها سلام التي ظلّت تناديها مريم، مقتنعة أنها العشيقة التي هام بها عبدالله وسافر من أجلها نحو الغمام:
“كانت تلتهم أذني بصوتها العميق الآتي من كتاب مهترئ. تروي لي قصصًا حزينة وغريبة عن مريم الجميلة، التي تزوجت من فارس مغوار اسمه عبدالله. ماتت مريم وهي تنجب ابنتها الأولى، التي أطلق عليها زوجها اسم مريم، أيضًا. أخبرتني ترفة عن أسطورة قديمة تقول إن الفاتنات حين يمتنَ تسكن وجوههن الغمام. لذلك ظل عبدالله لسنوات طويلة يلهث خلف الغيم كي يقبض على وجه زوجته مريم، إلى أن وافته المنيّة بعد أن رماه حصانه فوق أعلى تلّة في الجولان، تحت الغيم مباشرة، كان اسم تلك التلة “تلة أبو الندى”.

أقول، أما وصيتها الأخيرة لحفيدتها سلام، فهي: “إن أحببتِ شاعرًا تزوجيه، لكن لا تقرئي قصائده لامرأة، بل أغلقي عليها في صندوق عرسك، واخفي المفتاح هنا مثلي، بين ضفائرك. وبعد أن تنجبي طفلتك الأولى ترفة، أطلقي القصائد للريح”.
موّال التفاح وزعفران الكرز..

تفاح الجولان

 

 

في الجولان الممتدة هضبته على مساحة 1860 كيلومترًا مربعًا، يُنْبِتُ التفاحُ مواويلَ تشبه النّدى وعينه التي هناك. يُزهر الشجر في الربيع كرزًا لعيون الصيف. هناك لمواسم الحصاد أغانٍ، يجتمع الأهل، فاللمّة هناك لا تشبه غيرها، هي سردية للتحدي تفقأ عين المعتدي، موعدٌ موسميٌّ مع الصمود: “صامدون هنا.. صامدون هنا.. باتجاه الجدار الأخير.. وفي يدنا يلمع الرعب في يدنا.. في القلب غصن الوفاء النضير”.
سألْنا الصحافيَّ الحُر المحرّر أيمن أبو جبل:
(*) في ظل غياب الدعم الإسرائيلي وشحه مقارنة بما تقدمه حكومة الاحتلال للمستوطنين المزروعين في نواحي الجولان، هل من خطط محلية تعاونية يمكن أن يتبناها أبناء الجولان المحتل، لمواجهة ما بعد كورونا، وحل معضلة كساد آلاف أطنان الكرز والتفاح؟
أيمن أبو جبل: إجمالًا لا توجد خطط رسمية وممنهجة سوى ما تقوم به جمعيات المياه، ومخازن التبريد، وعددها 18 جمعية ومخزنًا. لم تثمر المبادرات التي هدفنا من ورائها فتح أسواق أردنية، أو مصرية، والسوق مفتوحة، فقط، للمنتوجات الزراعية الإسرائيلية التي لا نستطيع منافستها من الناحية الكمية على وجه الخصوص. والطلب الذي نحصل عليه من الأسواق الفلسطينية لا يلبي المعروض الجولاني من التفاح والكرز، وغيرهما من منتوج الأشجار المثمرة الجولانية.
من ناحية ثانية، معظم أراضي الجولان مملوكة أبًّا عن جد بحسب ما تؤكد طابوهات الملكية التي يملكها أبناء الجولان المحتل، إلا أن تلك الأراضي معرضة للمصادرة من سلطة أراضي إسرائيل التي لا تسمح للمزارع بالتصرف بأملاكه، كبناء مخزن، أو غرفة سياحية، إلا بعد نيل الترخيص، وإثبات ملكية الأرض بإبراز المستندات الأصلية غير المتوفّر قسم منها إلا في السجلات العثمانية، أو السورية القديمة، التي يصعب، أو حتى يستحيل، حصول أبناء الجولان المحتل والمحاصر عليها. الوضع في المستوطنات الإسرائيلية بخلاف ذلك تمامًا، فالمستوطنون يضعون أيديهم على أخصب أراضي الجولان الزراعية، والمستوطن الجديد يُمنح قطعة أرض زراعية مجانية، وقطعة أخرى، إضافية، لِبناء بيته عليها في إحدى المستوطنات التي تحاصر الهضبة، وكل ذلك يُمنح للمستوطنين من دون مقابل.
بين بستان كرز، وبستان تفاح، وكرم عنب، يصعد الإيقاع الجولاني، تزهر الألوان، ويصير للأسماء في المدى الجولانيّ العالي دلالات جديدة.
تُعدّ فواكه الصيف، وبخاصة الكرز (اللآلئ الحمراء)، من الركائز الاقتصادية الأساسية، ومن المعالم السياحية الممتعة في حد ذاتها في الجولان المحتل، حيث تبدأ الاستعدادات لموسم الكرز مباشرة بعد انتهاء موسم الثلج في أبريل/ نيسان من كل عام، عندما تُزين أزهار الكرز الجميل المشهد الطبيعي الأبيض، وتستمر طوال شهري مايو/ أيار، ويونيو/ حزيران، مع نضج الثمار، وبدء موسم القطاف.
تغطي زراعة الكرز في مناطق الجولان المحتل نحو 3500 دونم من أراضيه الزراعية التي تبلغ 50 ألف دونم (هي فعليًا 6%) فقط، من الأراضي الأصلية الواقعة تحت الاحتلال، والخاضعة لسيطرة المواطنين السوريين. ويبلغ الإنتاج السنوي للكرز في الجولان المحتل نحو 2000 ـ 2500 طن سنويًا، في حين تقدّر الدورة الاقتصادية لموسم الكرز بنحو 200 مليون شيكل. والأرقام تتزايد كل عام، وفقًا لاتساع هذا المرفق الاقتصادي، فيما تحتل زراعة التفاحيات نحو 20 ألف دونم من أصل 50 ألف دونم من مجمل مساحة الأراضي المزروعة. أما المستوطنات الإسرائيلية فإنها تسيطر على 750 ألف دونم، تشمل مجموعة متنوّعة من الفواكه، من ضمنها الكرز والفراولة والتوت والتفاح والخوخ والنكتارين.
تفاح الجولان يئنّ، قيل إنه من أفضل التفاح على امتداد الكوكب الذي صار العدلُ فيه أمنيةً يغلّفها ظلام الليل الطويل. عطشان ينادي تفاح الأقاح، الصبايا لا تبخل، لكن العين مسروقة، والنبع خلف الأسلاك، والأسماء تبدّلت، والهضبة ضُمّت، والبراميل لا تحمل الماء، بل البارود، ولا تنزل عذبًا زلالًا، بل حِمَمَ موتٍ فوق رؤوس أبناء شعبها.

يصرخ التفاح، لا تعجبه الإجابات، يرفض واقع الحال، يقول إنني كنتُ، وسأبقى، عماد حياة الأهل فوق هضبتي، وحولي تدور حياتهم الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية، ولي يؤلفون الأغاني، ويشكّلون حلقات الرقص، ويعمرون ليالي المسرّات. من سرق خيري وأعطاه لغير أهلي وناسي؟
الزراعة الاستيطانية..
تشكّل الزراعة الاستيطانية الجواب اللئيم عن السؤال الذي يخنق التفاح، فإسرائيل لا تكف عن السطو على مزيد من موارد الجولان الطبيعية. فبعد احتلالها الجولان في يونيو/ حزيران 1967، وعلى مدار أكثر من نصف قرن، صبّت دولة الاحتلال كل جهودها للاستحواذ على الأراضي، والاهتمام بالأبحاث الزراعية، منشئة لهذا الغرض مراكز تطوير وبحث علمي، بهدف زيادة الإنتاج، وتطوير أنواع جديدة من الزراعات، مثل التوت والعنب، إضافة إلى التفاح، والكرز، والإجاص، واستغلال الأرض بما يتلاءم مع تربتها والمناخ الخاص بالجولان، مستفيدة من وفرة مياه المنطقة.
ومع احتلال الجولان في عام 1967، وقدوم المهاجرين اليهود للاستيطان فيه، بدأت زراعة الكرز بكميات كبيرة، خاصة في الأماكن المرتفعة والباردة، حيث تدعم الحكومة الإسرائيلية المزارعين اليهود في مستوطنات شاعال (المقامة على أنقاض قرحتا) ومستوطنة عين زيفان (المقامة على أنقاض عين الزيوان)، ومستوطنة نفي أتيب (المقامة على أنقاض جباثا الزيت)، ومستوطنة مروم غولان (المقامة على أنقاض قرية المويسة) في المناطق الشمالية من الجولان، حيث يبلغ إنتاج الكرز فيها نحو 7500 طن سنويًا.
وفي الوقت الذي يحصل فيه السكان العرب في الجولان على خمسة مليون متر مكعب سنويًا من المياه لريّ 30 ألف دونم مزروعة، أي ما يعادل 170 مترًا مكعبًا للدونم الواحد سنويًا، وبما يشكّل، فعليًّا، 20% من الحاجة السنوية، فإن المستوطنين الإسرائيليين في الجولان المحتل، يحصلون على 70 مليون متر مكعب سنويًا لريّ 80 ألف دونم من أراضي المستوطنات، أي ما يعادل 875 مترًا مكعبًا للدونم الواحد سنويًا، أي ما يشكّل 125% من الحاجة السنوية!
هناك في الهضبة التي تنتظر فزعة العرب أجمعين، تعاني زراعة التفاح في الجولان من مشاكل عديدة بسبب محاولة سلطات الاحتلال القضاء على هذه الزراعة التي تشكل 30% من دخل السكان. فقد قامت سلطات الاحتلال باستقدام المهاجرين إلى المنطقة، ووزعت عليهم الأرض، ومدّتهم بالمياه والمعدات، وقدمت لهم المنح المالية ليزرعوا الأرض بالتفاح الذي بات ينافس تفاح أصحاب الأرض جودة وسعرًا. وقد جعلت هذه التحديات سكان المنطقة يفكّرون جديًا في كيفية حماية زراعتهم، فقاموا بإنشاء سبعة مخازن مبرّدة عامة تستوعب حوالي 26 ألف طن من التفاح سنويًا لحماية المحصول من تدني الأسعار في الأسواق، والتحكم بشكل أفضل بعملية التسويق.
في إعلان لوزارة الزراعة الإسرائيلية، يرد الآتي: “أتحلمون ببيت قروي محاط بحقول؟ الآن يمكنكم أن تحققوا الحلم وبالمجان”. وفي سياق الحد من ظاهرة ترك الهضبة والانتقال إلى المركز، قدمت الوزارة إغراءات لا يمكن إدارة الظهر لها: “كل مستوطن مزارع سيحصل على قطعة ليقيم فيها بيتًا في إحدى المستوطنات التي يُستوعَب فيها”. صحيفة “يسرائيل هيوم” لفتت، في السياق نفسه، إلى أن “الأرض الزراعية والأرض الخاصة للبناء، تعطى بلا كلفة، إلى جانب ذلك تدعم الوزارة حتى 40 في المئة، وبالإجمال حتى مليون شيكل كلفة تهيئة الأرض وإجراءات الغرس”. وأفادت الصحيفة أن المستوطنات التي ستنفذ فيها الخطة الإسرائيلية هي: “أوديم”، “ألوني هبشان”، “متولا”، “نافيه التيف”، “يونتان”، “متسار”، “ناؤون غولان”، “كدمات تسفي”، “كيشت”، “شاعال”، “دالتون”، “ايفن مناحم”، “كيرن بن زمرا”، “سفسوفا”، “بن عامي” و”ليمان”.

“رأس النبع” ينزوي، والقهر يسكن عروق الماء فيه. الشلّالة تغرف لابنها الفلاح بعض الماء موارية جدولها الخجلان مما آلت إليه أحوالها. المشيرفة تطل على الوجع من أوّل مجدل شمس، وحتى رقصة الغجر، مرورًا ببقعاثا ومسعدة وعين قنية.
حِصن المرجعيات..

المرجعيات الدينية حصن الجولان المنيع

يتحصّن أبناء الجولان بالمرجعيات الدينية والعشائرية. يلتفون حول كبارهم وعقول الوعي بينهم، لا يراهنون على عمقهم السوري، فاليد الطولى داخل هذا العمق المتجبّرة بخياراته، هي، كما يحلل الصحافي أيمن أبو جبل، مكشوفة مفضوحة.
يقول أبو جبل، في سياق إجابة طويلة عن سؤال وجّهناه له: “لم يكن تحرير الجولان السوري من الاحتلال الإسرائيلي، في أي مرحلة من المراحل، ضمن أولويات النظام السوري، ما فسّره عدد من الباحثين والمحللين بتفاهمات، أو صفقات غامضة، شهدتها المرحلة التي سبقت احتلاله بسنوات، ورغم عدم وجود وثائق مكشوفة تؤكد هذا الأمر، إلا أن شهادات كثير من الضباط والكتّاب والمؤرخين والسياسيين العرب والسوريين، تؤكد أن سقوط الجولان السريع، كان ضمن تفاهمات سورية- إسرائيلية سرية، حُصدت نتائجها في الأربعة والأربعين عامًا الماضية، حتى اندلاع الثورة السورية في مارس/ آذار 2011، حيث فُضحت التفاهمات السورية الإسرائيلية من خلال تصريحات ابن خال الرئيس السوري، رامي مخلوف، في أثناء اقتحام مئات النازحين الفلسطينيين بلدة مجدل شمس المحتلة ومناطق في القنيطرة في مايو/ أيار، ويونيو/ حزيران 2011، بعد استقدامهم في حافلات يملكها (مخلوف) إلى خط وقف إطلاق النار، وقال في مقابلة نشرتها صحيفة “نيويورك تايمز” إن “النظام السوري لن يستسلم بسهولة، وسيقاتل حتى النهاية، ولن يكون هنالك استقرار في إسرائيل، إذا لم يكن هنالك استقرار في سورية”، وأضاف “أن السلفيين الإسلاميين هم بديل النظام”. في محاولة لحث الإسرائيليين على توفير الدعم للنظام، والعمل على استقراره، بعد أن كان مهددًا بالسقوط قبل التدخل العسكري الروسي. مجلة “فورين أفيرز” الأميركية ذكرت أن الرئيس السابق لجهاز الموساد الإسرائيلي إفرايم هاليفي قال: “إن بشار الأسد هو رجل تل أبيب في دمشق، وإن إسرائيل تضع في حسبانها، منذ بدأت أحداث الثورة السورية، أن هذا الرجل، ووالده تمكّنا من الحفاظ على الهدوء على جبهة الجولان طوال 40 سنة، منذ توقيع اتفاقية فكّ الاشتباك بين الطرفين في 1974”.

كيف لا يثق الجولانيون بمرجعياتهم، وهي مرجعيات من طراز “الهيئات الروحيّة” الدرزيّة التي اجتمعت في عام 1980، وأعلنت بشكلٍ حاسمٍ لا لبس فيه أن من يقبل الجنسية الإسرائيليّة “كافرٌ بدينه، خارجٌ على تقاليد الطائفة العربية الدرزية، ويتعرّض للمقاطعة في المناسبات والطقوس الدينية والاجتماعية كافّة”.
جولانيات حتى الممات..

المرأة الجولانية وتدٌ في جدار الصمود

المرأة أكثر من يحفظ هويةً ما. تحملها، بداية، في رحمها، تحضنها، عندما تكون تلك الهوية جنينية لا حوْل لها، ترضعها مع الحليب الشرف والكرامة والمعنى. الصحافي محمد محسن وتد يقول في مستهل تقريره الذي يحمل عنوان “نساء الجولان.. رمز للمقاومة والصمود” نشره موقع “الجزيرة نت” عام 2012: “تجنّدت المرأة السورية بالجولان المحتل ـ منذ الأيام الأولى للاحتلال ـ في معركة الصمود والمقاومة السلمية، وتجلّى نضالها في الحفاظ على الهوية الوطنية والتشبث بالأرض عبر فلاحتها جنبًا إلى جنب مع زوجها، لكسب لقمة العيش، ومساندته في تدعيم الحصن العائلي والاجتماعي، وبرز دورها في تنشئة الأجيال على تعزيز الانتماء المجتمعي والعائلي للوطن الأم سورية”.
وإضافة إلى دورها المحوري في الحفاظ على رابطة الأسرة المقدسة في الوجدان الجولاني، فإنها، إلى ذلك، “تلعب أدوارًا متعددة في مختلف مجالات الحياة التي تتراوح بين النشاطات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والثقافية، وأصبحت هذه الأدوار لا غِنى عنها، بخاصة في النضال من أجل الحفاظ على الهوية الوطنية والتشبث بالأرض في مواجهة الحكم العسكري الإسرائيلي”.
إنهن جولانيات حتى الممات، في الحقلِ هنّ زاد الاستراحة بين قطفٍ وآخر، موّال الهوى، تعرفهنّ أرض جولانهم الخصبة السمرا الطالعة من براكين البازلت الصخريّ العنيد. في البيت هنّ الواسط الذي لا تقوم الدار من دونه. في السوق هنّ بهجة الحياة رغم الأسى وبنادق المحتل وأسلاكه الشائكة. في اللحن هنّ الغزل، وفي العود هنّ الوتر.
مسيرة الهوية..

الذاكرة في مواجهة النهب

لعل مسيرة تأكيد الهوية في الجولان المحتل لا تشبه غيرها. هوية تتدافعها وجهات عديدة: سورية، فلسطينية، إسرائيلية، وهم، في قلعة صمودهم العتيد، يتشبثون بهوية عربية جامعة مانعة.
يقول أيمن أبو جبل: “في الواقع الجولاني، وبعد عشر سنوات من الثورة السورية، وما شهدتها من عمليات تهجير طالت نصف الشعب السوري، وعمليات القتل والتعذيب والقمع والجوع المتفشي في مختلف أركان الوطن السوري، لم يعد غريبًا ـ على الرغم من رفضه ـ أن يفضل عدد من أبناء الجولان المحتل “النعيم الإسرائيلي” في ظل الاحتلال، على الجحيم السوري في ظل حضن الوطن، ولم يعد مُستهجنًا أن يتقدّم أشخاص للحصول على الجنسية الإسرائيلية بملء إرادتهم، لأسباب شخصية عدة، ولم يعد من المستغرب أن يشارك بعض الناس في الانتخابات الإسرائيلية، وتشريع المجالس المحلية بعد إقرارها رسميًا من الحكومة الإسرائيلية في 2018، ولم يعد غريبًا الترشّح لعضويتها ـ مع عدم قبول ذلك اجتماعيًا من الأغلبية العظمى من الجولانيين ـ أو تسجيل نادٍ رياضي في الدوري الإسرائيلي، أو المشاركة في فعاليات إسرائيلية، اقتصادية، وثقافية، وتربوية، وفنية، والدخول في عضوية بعض الأحزاب الإسرائيلية، والمشاركة في برنامج الشبيبة العاملة والمتعلمة، والخدمة الوطنية المدنية الإسرائيلية، كان كل ذلك ـ حتى ما قبل الثورة السورية ـ يعد عملًا مرفوضًا، ومنبوذًا، يعرض صاحبه للمقاطعة الاجتماعية والدينية، وخروجًا على الإجماع الوطني، بحسب الوثيقة الوطنية لأبناء الجولان، الصادرة في مارس/ آذار 1981، وهي في منزلة دستور وطني واجتماعي جامع″.
تهويد بالنار والحديد..
يقوم الخطاب الصهيوني والتوراتي على دعم فكرة الأرض الكبرى والكاملة التي تستند على مقولة “كل أرضٍ وطئتها أقدامهم”، وانطلاقًا من هذه المقولة، عملت المدرسة الصهيونية التوراتية من خلال توظيف الإعلام الرسمي، وتجنيد علماء آثار يهود أوروبيين على تحريف التاريخ القديم للمنطقة وتزييف آثارها، وكان الجولان  ضمن المناطق التي تعرضت إلى التهويد وتغيير معالمها جراء الحفر والتنقيب ونهب المواقع الأثرية، وتخريبها، ونسب كل الُّلقى والآثار الكنعانية والآرامية والبيزنطية والرومانية، إلى تاريخٍ يهوديٍّ مزعومٍ منذ مطلع الألف الأول قبل الميلاد.

ومنذ احتلال الجولان، قرّرت إسرائيل هدم القرى السورية بعد المسح الأثري الذي قامت به سلطة الآثار، وأكد على ذلك عالم الآثار الاسرائيلي مائير بن دوف، واعترف قائلًا: “تقرر هدم جميع القرى في الجولان والمباشرة بالتنقيبات لطمس الهوية السورية للجولان، والادّعاء أنها أرض يهودية”.
في هذا السياق، وبحسب مصادر عديدة ومتنوّعة، عملت السلطات الإسرائيلية على تخريب العديد من المواقع الأثرية، إضافة إلى سرقة الكنوز الأثرية في “بانياس″، و”الحمّة”، و”فيق”، و”العال”، و”رجم الهيري”، و”خسفين”، وغيرها، وقامت بإهداء كثيرٍ من هذه القطع الأثرية إلى عدد من الحكام وأثرياء العالم كـ آل روتشيلد، وروكفلر، كونها عائلات مساندة لهم، وتؤيد حقهم في الأراضي التي اغتصبوها ويواصلون اغتصابها. في سياق آخر، تجاهلت الحكومات الإسرائليلية المتعاقبة، وبالتواطؤ مع الإعلام الإسرائيلي، قضية الطرد والتهجير والتدمير في الجولان، وأخفت وطمست كل ما له علاقة بذلك، رغم كل الحقائق الدامغة، واستندت في ذلك على التعتيم الممنهج الذي مارسه النظام السوري بعد عام 1967، حول قضية أولئك الذين اقتلعوا من ديارهم من دون وجه حق، ومُنعوا من العودة إلى بيوتهم ومنازلهم التي بنوها وعاشوا فيها أجيالًا متعاقبة.
هل تتذكّرون ترفة في مستهل هذا الإبحار في الهضبة الجولانية المباركة؟ هل تتذكّرون متاهتها في دمشق عاصمة القلب والوجع المقيم؟
رغم جروح الشك التي أحدثتها اتفاقية أوسلو، وسبّبها شروع النظام السوري التفاوض حول الهضبة وأهلها، إلا أن اللحن ظلّ جولانيًا عصيًّا عربيًا فلسطينيًا سوريًّا صادح المعجزات، والهوية بقيت هي.. هي؛ الهوية الحرّة الأبية.
في حرب الهوية، ينشد الجولان الأغاني، يدوزن اللحن على مقام الإباء. يقود جوقة الصلاة من أجل الحب والبذْل والكرامة. فرقة “نُص تفاحة” تغنّي للثورة، أي ثورة، وكل ثورة. “رجال بشوارب لا يزالون ينشدون منذ هزيمة الـ 67، بالنبرة ذاتها، والمشية، وتشابك الأيادي، وشيب الشعر تحت العمائم: (جولان يا نبع الثوّار الْما نضب، يا قاهر العدوان يا عزّ العرب)”.
وأما الجميل سميح شقير فيواصل النغم الذي ما حاد يومًا عنه:
“ويا الجولان ويلي ما تهونِ علينا
ردادينكِ من إيد المحتل انطرينا
لا بد الشمل يلتم
رخّاصين فداكِ الدم
سامعينك يا ما اطول ليلِك
وانتِ تنادي علينا

* * *

مجدل شمس  ويا عزّتنا
واخبارِك  ياما هزّتنا
يلي ما رضيتي الهوية
إلّا… عربية سورية
حرّة..
حرة ما ترضى الهوانا

* * *

مسعدة وبقعاثا وواسِط
يا الوطن عجبينُن خاطِط
من آيات الشمم الحية..
وكانوا..
إمّا وبيا.. إمّا وبيا
وقالوا..
هيك الوطن ربّانا

* * *

يا جبل الشيخ ويا الحمّة
يا طبَريّا ويا القنّعْبِة
ويا رجال الأيام الصعبِة
قولوا..
لِفيق وعين قنية وصنابر
انتوا عالبال وعالخاطر..
واللي..
عالعِدا غضب البركانا”.

عن astarr net

شاهد أيضاً

syria-qunitra2022

قناة إسرائيلية تتحدث عن “ضغوط” لإعادة فتح معبر القنيطرة مع سوريا

قناة إسرائيلية تتحدث عن “ضغوط” لإعادة فتح معبر القنيطرة مع سوريا معبر القنيطرة في المنطقة …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: النسخ ممنوع !!