الأحد , نوفمبر 17 2019
الرئيسية / شخصيات جولانية / الشهيدة امال الشوفي /السيد احمد
amal-alshofy

الشهيدة امال الشوفي /السيد احمد

الشهيدة امال الشوفي /السيد احمد

 عشتار نيوز/ ملف حرب تشرين 

 ايمن ابو جبل

من الارشيف2006

amal-alshofy

غصة أخرى، ما زالت تسكن الذاكرة والوجدان، غصة ممزوجة بألم دفين، ودموع حبيسة لم تجد لها مخرجاً، إلا حين غصنا في تفاصيل تلك الأيام، التي حولت حياة طفل وطفلة وزوج إلى ذكريات يعتصرها الزمن، كما يعتصر هذا الألم في صدر علم الدين الشوفي:

“قبل الحرب تعرفت على زوجتي المرحومة “آمال السيد احمد”، وتزوجنا في العام 1970. عشنا حياة حلوة، ومنسجمة، خاصة بعد ان رزقنا بطفلتنا الأولى فاتن، وبعدها ابننا سمير. كنت اعمل لتوفير لقمة العيش. تعلم انه منذ الاحتلال عام 1967 كانت أوضاع الناس صعبة والجميع يعمل بشكل مؤقت، لأن قناعتنا وأملنا بتحرير الأرض قريباً جدا.

في تمام الساعة الثانية وعشرة دقائق من يوم السبت، الواقع في 6 تشرين عام 1973، كنا جالسين أنا وبعض إخوتي وعدد من الأصدقاء نشرب القهوة، فجأة سمعنا صوت انفجارات ودوى قذائف، خرجنا إلى أمام البيت، لم ندري ما الذي يحصل، رشق ناري لم نعرف مصدره كان يتطاير باتجاهنا، ركضنا لنختبئ داخل البيت، كنت أول من دخل، هربا من الرصاص، حين دخلت لم اصدق ما أشاهد أمامي، كانت زوجتي أمال، التي كانت تعد لنا الطعام، ممدة على الأرض وتحاول الزحف للامساك بالطفل الذي كان على مقربة منها. كان دمها يسيل بغزارة على ارض المطبخ، وبكاء الطفل ملأ كل الأجواء.. لقد أصيبت أمال برشقات رصاص عديدة، وأصيب ابني في رجليه إصابة مباشرة. أذكر تلك اللحظات وكأنها أمامي الآن. إخوتي أسرعوا لنجدة أمال وأنا حملت الطفل ولففت رجليه ببطانية او قطعة قماش لا أذكر، لوقف نزيف الدم، لم استوعب ان الرجل الأولى للصبي ما تزال تلوح، وكف رجله الثانية غير موجود. كان صوت الطائرات والمدافع قويا، ركضت به كالمجنون من غرفة إلى أخرى، حتى امسكه مني أحد إخوتي، وركضت باتجاه أمال، كانت تنظر إلي، تتألم بصمت، ودون أي صوت، لم استطع فعل أي شئ، لم أعرف ماذا أفعل، لم أشعر إلا بنظراتها وصراخ إخوتي. حملتها والدموع تحجب رؤيتي، وحمل أخي الطفل وتوجهنا الى سيارة أخي، وانطلقنا مسرعين باتجاه مشفى صفد. كانت بين أحضاني تتطلع مباشرة في عيوني، لم افقد الأمل بنجاتها، لم استسلم، قلت لها اطمئني بعد قليل نكون في المستشفى. لم تستطع الكلام، كانت تنظر الي، وتضغط على يدي، قبل وصولنا إلى قرية الخالصة قالت لي: “بحياة عمرك دير بالك عالأولاد”، وفقدت وعيها. لم أعرف أنها ماتت إلا حين وصلنا إلى العيادة في الخالصة. اخذوا الصبي فورا وادخلوها للفحص وطلبوا منا بعد عدة فحوصات ان نتابع فوراً إلى مستشفى صفد. في سيارة الإسعاف كانت أمال قد فارقت الحياة. في صفد اخذوا الولد لغرفة العمليات. في اليوم التالي سلمونا جثة أمال وعدنا بها إلى البلدة، لتوارى الثرى. كان القصف ما زال قويا في محيط البلدة. عدة أشخاص فقط كانوا وقت تشييع جثمانها. أنا عدت إلى صفد لأبقى هناك مع ابني الذي كان عمره 8 اشهر، واخته فاتن عمرها سنتين. لم يتبق لي سواهم، فهم من ذكرى المرحومة، وثمرة حبي لها. بعد علاج ابني حبست دموعي وأحزاني، وتفرغت لهم. كنت الام والأب. كانوا يسألوني كثيرا عنها، لم اعرف بماذا أجيبهم، سوى أنها سافرت وستعود. ربما سبب إجابتي يعود إلى عدم تصديقي أنها قتلت. يؤلمني جدا حين أراهم دون أمهم، وزملائهم في المدرسة مع أمهاتهم. بقيت قربهم طيلة أربع سنوات بعد الحرب. لم استطع التفكير بالزواج من امرأة أخرى. كل من حولي كان يحثني على الزواج من اجل الأولاد، الذين كبروا بانتظار عودة أمهم. أخيرا تزوجت من زوجتي الحالية أمد الله في عمرها، انسانة رائعة ومحترمة ولطيفة جداً، وكانت أما مثالية للأولاد، تعلقوا بها وأحبوها وأحبتهم، وهذا وفر لي راحة واستقرار نفسي لغاية اليوم. مراسيم زواجي الثاني لم تكن وفق الطقوس التقليدية نظرا لحساسية الموقف، كنت ارغب في تقديم كل شئ لهذه الإنسانة الرائعة المتفهمة لوضعي ولوضع أولادي.

مأساتي في مقتل زوجتي لم تمنعني من الاستمرار في الحياة. آمال رحمها الله كان عمرها وقت الحرب 19 عاماً، لكن ما زلت أذكرها، ما زالت في أعماقي، كلما التقي مع أهلها أو أصدقائها، جميعهم يحدثونني عنها يستذكرونها بحسرة وحزن وشوق إليها. حين تزوجت فاتن كانت آمال حاضرة في دموع الناس، في دموع فاتن التي رغبت أن تكون أمها إلى جانبها، ورغبنا جميعا في ذلك، لكن هذا قدرها، أمها الحالية عوضت فقدانها إلى أبعد الحدود، وهذا عزائي.

زوجتي ساعدتني في تجاوز أحزاني، وخاصة حين رزقنا بطفلة، أسميناها على اسم زوجتي المرحومة آمال، لأنه يجب أن يبقى لفاتن وسمير شيئا من ذكراها داخل البيت، وهم يحبونها جدا ومتعلقون بها أكثر، لأنها تحمل ذكرى من ذواتهم، ذكرى والدتهم التي لم يعرفوها أبدا.

ما يحز في قلبي، وأنت تفتح صدري وجراحي بعد مضي اكثر من ثلاثين عاماً، هو ذاك الشعور الصعب، في أن أمال ومن استشهد معها أثناء الحرب لم يأخذوا حقهم من المجتمع. لا أحد يذكرهم، ليس هناك شاهد تاريخي أو اجتماعي، يشرح مأساة هذه المنطقة، وماذا قدمت هذه المنطقة بسبب صراعنا مع الاحتلال. فلولا وجوده لم تكن حرب، ولولا الحرب لما ذهبت آمال واثنا عشر مواطناً بريئاً من أبناء مجتمعنا، أليس كذلك؟

ودعت هذا الرجل بصمت. لم استطع مواساته سوى بالشكر الجزيل على فتح جراحه أمامي، وجراح هذه الحرب التي كان لها أن تعوضنا عن أشياء كثيرة سلبت منا، فهل ستعوضنا بعد أيام الزمن الآتية؟؟

عن astarr net

شاهد أيضاً

abukmalbcher

الشيخ ابو كمال حسن بشير

الشيخ ابو كمال حسن بشير عشتار نيوز للاعلام/ وفيات / شحصيات جولانية / ايمن أبو …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: النسخ ممنوع !!