الثلاثاء , يناير 28 2020
الرئيسية / شخصيات جولانية / الشهيد فايز سعيد ملحم محمود
fayez mhmod010

الشهيد فايز سعيد ملحم محمود

  • الشهيد فايز سعيد ملحم محمود

عشتار نيوز / شخصيات جولانية/ من الارشيف

ايمن ابو جبل

faize-mahmod-ashtarr

هي رصاصات ثلاث اخترقت جسده، وكمينا محكماً  كان في  الانتظار…  هي لحظات قليلة بين تلك المسافة التي بقيت بينه وبين الموت، فواجه الموت، كما واجه السجن والسجان سابقاً، كان شجاعا بحياته، وشجاعا في مماته.

هناك خلف تلك الصخرة في منطقة عريض المغارة، شرقي مجدل شمس، على خط وقف إطلاق النار عاش أخر لحظاته، يتأمل  الجولان كُله ، وبيت والدته،  وتلك الاراضي  التي صدأت داخلها الألغام الاسرائيلية، وجذوع دوالي العنب وشجر اللوز التي  كانت تنمو وبقوة  اكثر. لكنه لم يستطع تذوق ثمارها يوماً ، لكنه استشعر فيها دفء الوداع الأخير ..

لم يكن الشهيد فايز سعيد ملحم محمود، سوى مواطنا بسيطاً ، لم يكن مجنداً في جيش نظامي، أو ضابطاً مرموقاً في جهاز أمنى، لكنه  في المقابل لم يكن إنساناً عاديا بكل المقاييس.

هو ينتمي إلى جيل عرف الوطن والاحتلال، جيل امتشق الرفض سلاحاً ضد الذل والاستسلام، وهزيمة الذات امام الجلاد،  انتمى إلى أسرة فقيرة الحال، لقمتها الرئيسية تربية الماعز، وما تمنُ عليها الطبيعة المحيطة من شجر ونبات.

لم يكن ذي صيت وجاه، أو صاحب مال،  لكن الانتماء هو اكبر مال وجاه. لم يعبهُ يوما انه راعي ماعز فقير، وانما العيب عنده أن يعيش في أحضان وطن كأشباه الرجال، متى اشتدت على الوطن الويلات، العيب عنده  ان لا يستطيع ان يتفيأ تحت  ظلال تلك الشجرة التي زرعها الاجداد  ورواها الابناء بالدم، حينها  يُصبح هذا الوطن مجرد لعنة.. ومزرعة اوغاد.

في العام 1976، أطلق الجنود الإسرائيليون النار عليه وعلى شقيقه نسيب ، فأصيب نسيب في كافة أنحاء جسده، تسببت في عاهات جسدية ما زال يعانى منها لغاية اليوم. وبقيت جراح شقيقه تتقيح داخله، فقد حرموه من حياته الطبيعية كانسان سليم ومعافى. وحين يواسيه  مازحاً كان يقول له: “لقد أصابوا برصاصهم خاصرة الوطن، فلا بأس على جراحك، فجراح الوطن اكبر”.

كان انتماءه  إلى هذا الوطن أسمى واكبر من أي انتماء أخر. لم  تجرفه أي تيارات سياسية أو فكرية أخرى. كانت الانتفاضة الفلسطينية، وقضية المعتقلين في سجون الاحتلال، أوجاع رافقته حتى أخر لحظة من حياته،  فقد تمنى هذا الموت..شهيدا في سجل الخالدين..

لم يترك شهيد الحركة الوطنية السورية في الجولان، ولداً أو تلدا أو زوجة، كان يتجنب الحديث عن الاستقرار العائلي، ما دام هناك شاغل وطني يشغله، لكنه ترك ورائه شريط من الذكريات تعشش في وجدان “فايز “ابن شقيقه غسان. وتلك  الحسرة في قلب ذويه الذين مضى منهم  عددا ،قهرا وشوقا وداءً، وما زال يئن فؤاد من بقي منهم كل عام.

الشهيد فايز محمود،  لم يكن يوماً من زعامات الجولان التقليدية أو الزمنية أو الروحية، لكنه رفع وارتفع عنهم جميعا في بطولاته الصغيرة. كان إن اجتمع بحديث مع أصدقائه، فحديثه لا يتجاوز الوطن والجولان،واطفال الحجارة في فلسطين والار بي جي، وعمليات جمول اللبنانية …

واكثر ماكان يغضبه، هو ما يفهمه ، كتخاذل وتراجع عن الموقف الوطني، وقرارات الوثيقة الوطنية، وإنجازات انتفاضة الرابع عشر من شباط في الجولان .  كل شئ عنده كان محصورا في صدق الانتماء إلى هذا الوطن العزيز. وقد يلومه بعض الأصدقاء وبعض الأقرباء على ذلك، لكنه الصدق داخله، لا يحتمل النفاق والرياء.

fayez mhmod010

قبل ساعات معدودة من رحلته الأخيرة، تجول في شوارع مجدل شمس، جولته الأخيرة، وعاد إلى خيمته المنصوبة على سطح بيته، التي كانت قاعدة الانطلاق، وقاعدة الوداع، يراقب ذاك الخط الذي يفصل بين موته وحياته. انتظر حتى ساعات الليل، ثم انطلق مع رفيقه في رحلته الأخيرة، حاملا معه وجه الجولان ووجدانه، إلى هناك حيث اعتاد المضي في تأدية الواجب والمهمات، لكن رصاصات القتل  كانت في الانتظار. لم يتهاوى،  ولم يسقط،  ولم يمت إلا وقوفا كالأشجار، ويده ترد الصاع صاعين برصاصات مسدسه الصغير، الذي اسكته انتهاء مخزون الطلقات فيه… سقط فايز محمود، لكن ذكراه لم تسقط، وتاريخه المشرق ما زال يشع في ذاكرة الأجيال.

في الثالث والعشرين من تشرين ثان من كل عام، يتجمع أفراد أسرته وعائلته، التي كبرت وازداد عدد أفرادها من الصغار، ليكونوا معه هناك أمام ضريحه، في ساحة الشهداء قي مجدل شمس، حاملين معهم إكليل من الورد والزهور، يقفون خلف الذكريات والأوجاع، والحسرات، ودموع شقيقاته وأمهم العجوز التي ماتت مرضا وقهراً، وتساؤلات الأجيال الجديدة من أبنائهم الصغار؟

لأجل من تلك الدموع؟  ولأجل من نحن آتون؟  وتبقى ورائها إجابات من  وشائج قلوب  مكسورة. ولا ينسى أفراد العائلة، وكل حسب طريقته، التحدث إليه في قبره بهمس وصمت ودموع، عن أحواله وأمنياته وأحلامه، فهو كان سندا شخصيا لكل واحد منهم.

 

وللتعرف على الشهيد الخالد فايز محمود، كان لابد من ذكر أهم المحطات في حياته، التي تحولت إلى أحاديث  يجترحها أقربائه من حين إلى حين، عزاء لهم في رحيله المبكر:

  • ولد الشهيد فايز سعيد ملحم محمود في بلدة مجدل عام 1955
  • 16/4/1976 – تعرض أثناء رعيه الماعز، إلى إطلاق النار من قبل سلطات الجيش الإسرائيلي، حيث أصيب شقيقه نسيب في الجانب الأيمن من جسمه، إصابات ما زال يعانى منها حتى اليوم، بحجة دخولهم إلى أراض عسكرية، وهي أرض مرعى ملك لبلدة مجدل شمس،  حولها الجيش الاحتلال الإسرائيلي إلى منطقة عسكرية مغلقة.
  • 1976- سلطات الحكم العسكري الاسرائيلي في الجولان، تعتقل الشهيد فايز محمود بتهمة الاعتداء على سيارة عسكرية، والدخول مع ماشيته أراضى عسكرية مغلقة، وتحتجزه في مركز التحقيق عكا لمدة 15 يوما. مارس المحققين عليه ضغوطات من اجل موافقته على تزويدهم بمعلومات عن أي تحركات تحصل من قبل الجيش السوري على خط وقف إطلاق النار.
  • 1982 – الإضراب الشامل والمفتوح في الجولان. الشهيد فايز محمود يتولى مع عدد من زملائه لجان الحراسة الشعبية، يرصدون تحركات قوات الجيش والشرطة قبل مداهمتها بيوت المواطنين وإجراء الاعتقالات التعسفية ضد أبناء الجولان. الجيش يقتحم منزله اكثر من مرة خلال تلك الفترة.
  • 1982 – اعتقلته سلطات الاحتلال، مع عدد من زملائه، بتهمة التعامل مع أجهزة المخابرات السورية، وعبور خط وقف إطلاق النار، خلال الأحداث النضالية في الجولان، اكثر من 8 مرات ذهابا وإيابا، وتزويد المخابرات السورية بتفاصيل عسكرية، وحقائق عن الذي يحدث في الجولان، فحكم علية لمدة 8 أعوام قضاها متنقلا في معتقلات عكا والجلمة.

faiz-mhmod1984 ashtarr01

  • حزيران 1984 – الشهيد فايز محمود ينتزع حريته من المعتقل الاسرائيلي ، بعد اعتقال دام سنة وثمانية اشهر، وذلك في عملية التبادل التي جرت بين الدولة العبرية والحكومة السورية، تحرر خلالها الشهيد فايز و12 مناضلا عربيا سوريا من الجولان السوري المحتل، كانت الحكومة السورية قد طالبت في شملهم بعملية التبادل  وعودتهم الى الجولان المحتل ..
  • – 1986قوات الجيش الإسرائيلي، وشرطة ما يسمى”حماية الطبيعية”، تصادر وتسرق180 رأسا من الماشية، تعود ملكيتها إلى عائلة الشهيد، وتنقلهم إلى موقع في بئر السبع، بحجة الاعتداء على أراضى “دولة”، قرب بركة مرج المن ( تلك الأراضي هي أرض مرعى ملك لمجدل شمس، شبعا، وجباثا الزيت). رئيس مجلس محلي مجدل شمس الاسبق ، يبلغ والد وشقيق الشهيد، بان المقصود هو تحركات ونشاطات فايز مع السلطات السورية، ويطلب منهم أن يمارسوا الضغط عليه، ليكف عن ذلك. والسلطات الإسرائيلية تطلب منهم أن يأتي الشهيد فايز إليهم، وحده،  لاسترجاع ما صودر من ماشية. وفي نفس العام تقدم العائلة شكوى إلى المحكمة عن طريق المحامي سعيد نفاع، لاسترجاع مواشيهم، حيث اعترفت السلطات أمام القاضي بـمصادرة 127 راس ماعز، في حين اعترفوا لرئيس المجلس المحلي بمصادرة 155 راس . بعد رفض الشهيد طلب السلطات، يتم بيع الماشية في مزاد علني بـ 130 شيكل للراس الواحد، وهذا قبل الموعد المقرر لجلسة  المحكمة بيوم واحد. وفي المزاد يتواجد  هناك عددا من الاخوة الفلسطينيين من مدينة الخليل، وعددهم (7  تجار  )اشتروا  كل الماشية من اجل أن يعيدونها إلى العائلة،  بعد أن علموا بامر مصادرتها،  لكن السلطات الاسرائيلية وجهت إليهم  والى التجار الفلسطينيين تهديدات جدية،  بأنها إن عادت الماشية إلى الجولان سيتم على الفور مصادرتها من جديد. بعد المزاد العلني عقدت المحكمة جلسة، وطلب القاضي من السلطات توضيحا، لماذا لم يتم مصادرة باقي المواشي التي كانت في المنطقة العسكرية هناك. أجابوه انهم تلقوا تعليمات من الجهات العليا، بمصادرة تلك المواشي فقط. بعد خسارة المواشي المصادرة ، الشهيد فايز محمود يأخذ على عاتقه  رعي ما تبقى منها، ويشترى المزيد، لنقل رسالة واضحة إلى السلطات الإسرائيلية.
  • 23/11/1990 –  فايز محمود، يسقط شهيدا، في منطقة عريض المغارة،  شرقي مجدل شمس، على خط وقف إطلاق النار، أثناء تأدية واجبه الوطني.

ستبقى قصة الشهيد فايز محمود، عنوانا لأولئك الذين ينتظرون اخضرار الشجرة التي يزرعونها، ويرووها، من اجل أن يتفيأوا في ظلها، ويتفيأ الجولان كله في ظلال الوطن السوري ، هذا ما يحمل عزاءً إلى ملحم  شقيقه الأكبر، كلما استحضر ذكرياته واشجانه مع شقيقه الأصغر فايز، الذي فشل أعدائه  من إخضاعه وكسره.  لقد تغلب عليهم بغموضه، واسراره التي بقيت معه، هناك في أعماقه، حيث احتضن الوطن عميقا، يدافع عنه وعن قدسيته.

ما يحز في قلبي لغاية اليوم،  يقول ملحم “أن فايز  لم يتزوج، ولم ينجب أطفالا، ولم يكن جانبه لحظة استشهاده، كان بمثابة الابن والأخ معا. لن أنسى أبدا حين أتوا ليخبرونني أن فايز قد اعتقل، ولم اعرف انهم قد قتلوه،  إلا  حين وصلت إلى البيت.  لن أنسى ما فعلوا به، من تفتيشات ومداهمات واعتقالات،  كانت في كل  مراحل حياته. حين طلبت منه أن يكف عن نشاطه لاجل العائلة ورزقها من الماشيه قال لي: ” لقد ربيتني على الكرامة والصدق والشجاعة والتضحية، فكيف أخونك واخون نفسي ؟”

ويضيف شقيقه: “لقد استشهد فايز، ولم يتبق لنا إلا العيش مع خسارته وفقدانه، أقول لاخوتي وأولادي، كل عام:

” أن دماء فايز التي روت العشرة دونمات، هناك حيث استشهد، تساوي كل أموال الدنيا والعالم، سنخلد ذكراه ما دمنا أحياء، فهو من أجلنا سقط. ما يؤلمني ان هناك شهداء من الجولان وبضمنهم فايز، لم نسمع بعد أن أحدا قد  قام بتكريمهم في الوطن، باستثناء ما يحدث هنا في الجولان.

faize-ashtarr.net01

لقد اقيم النصب التذكاري للشهداء، وكل عام يزور بيته عشرات من الناس والطلبة، ليقدموا إكليل ورد، لذكرى فايز والشهداء، انا فخور بهذا التواصل الذي حافظ أحرار هذا البلد عليه بين الأجيال ، لكن، ألا  يستحقون اكثر؟ تاريخ هذا البلد العريق الذي قدم ومنذ القدم عشرات الشهداء والمناضلين والمعتقلين، يستوجب تخليده في كتب التاريخ، من اجل أن لا تشعر الأجيال القادمة إن آبائهم كانوا صامتين وجالسين يندبون حالهم، فنحن لسنا كذلك!  ”

انتهت رحلة الشهيد فايز سعيد محمود، في مثل هذا اليوم. انتهت لكن لم تنتهي بعد تلك المسيرة التي انضم إلى رحابها،  فهي  ما زالت تتقد في وجدان الجولانيين، وفي وجدان أولئك الذين من أجلهم مضى فايز، في طريق حرية وكرامة هذا الجزء الغالي، من ذاك الوطن الخالد بتاريخه وحضارته العريقيين.

faize-ashtarr.net

عن astarr net

شاهد أيضاً

imad-mhna.jpg01

عماد علي مهنا أبو صالح .. شهيداً تحت التعذيب

عماد علي مهنا أبو صالح .. شهيداً تحت التعذيب عشتار نيوز للإعلام والسياحة / وجوه …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: النسخ ممنوع !!