الأربعاء , مارس 3 2021
الرئيسية / مقالات الرأي / قرار ترامب والواقع الجولاني
thaer abo saleh

قرار ترامب والواقع الجولاني

 

 قرار ترامب والواقع الجولاني

د. ثائر أبو صالح/ القدس العربي

thaer abo saleh

لم يكن قرار ترامب مفاجئاً لأي متابع للأحداث في المنطقة، فإسرائيل تسعى ومنذ بداية الأحداث في سوريا عام 2011 لفرض واقع جديد في الجولان مستغلة الحرب والحديث عن التقسيم. فهي تعتقد أن الفرصة قد حانت ليعترف العالم بضم الجولان لإسرائيل، وقد أقدمت على خطوات رمزية لتعبر عن هذه الرغبة. فعلى سبيل المثال لا الحصر، عقد نتنياهو في السابع عشر من نيسان/ابريل 2016 اجتماعاً لحكومته في الجولان، ولم يكن اختيار السابع عشر من نيسان/ابريل اعتباطياً، فهو عيد الجلاء السوري، أي يوم استقلال سوريا وجلاء آخر جندي فرنسي عن أراضيها. وأعلن نتنياهو في هذا الاجتماع، أن الجولان سيبقى تحت السيادة الإسرائيلية إلى الأبد، وطالب ترامب وحكومات العالم أن تعترف بالسيادة الإسرائيلية عليه. ومما شجع ترامب على هذا القرار، كون العرب لم يحركوا ساكنا عندما اتخذ قراراً بنقل السفارة الأمريكية إلى القدس، فلماذا لا يقدم لنتنياهو ورقة رابحة في الانتخابات المقبلة، بانتظار ان يرد له نتنياهو ورقة رابحة شبيهة عندما تأتي استحقاقات الانتخابات الأمريكية، ويؤمن له دعم اللوبي اليهودي؟ وهو يقدم في النهاية أرضاً لا يملكها لدولة محتلة.

لا شك أن قرار ترامب مناف لكل الأعراف والمواثيق الدولية، ويعتبر خرقا خطيرا للقانون الدولي، عدا عن كونه سابقة في العلاقات الدولية من الممكن أن تدخل العالم في دوامة قد تؤدي إلى حروب جديدة لإعادة رسم حدود الدول من جديد، كما حصل بعد الحربين العالميتين الأولى والثانية. فوفق هذا المنطق المستند إلى شريعة الغاب، كل دولة قوية تستطيع أن تعتدي على دولة أخرى وتقضم جزءاً من أرضها ومن ثم تطلب من العالم أن يعترف بهذا الاحتلال، هكذا تصرف سيؤدي حتماً إلى فوضى وإلى اختلال الميزان الجيوسياسي الذي شكل أحد أهم أسباب الحروب في العالم. فماذا ستكون ردة فعل أمريكا، على سبيل المثال، في ما إذا اعترفت بعض دول العالم في المستقبل بشرعية احتلال شبه جزيرة القرم من قبل روسيا؟ وهل سيعتبر ذلك خرقاً للقوانين والمواثيق والأعراف الدولية؟

أما بالنسبة للدول العربية، فالحقيقة المرة هي أن لا أحد ينتظر من العرب شيئا غير التصريحات والتنديد، بالرغم من انهم قادرون على فعل الكثير، فليس المطلوب منهم ان يبادروا إلى حرب، ولكن على الأقل المقاطعة وسحب السفارات، وقطع العلاقات. فلو كان الطرف الأمريكي يتوقع أي ردة فعل من العرب لما كان أقدم على هذه الخطوة بشأن الجولان أو القدس. لكنه يعلم علم اليقين انه أمام أنظمة كل همها البقاء في السلطة حتى لو كان ذلك على حساب دماء شعوبها أو اقتطاع مساحات من أوطانها.

أما بالنسبة لسكان الجولان، فقد لمسوا مع بداية الأحداث في سوريا عام 2011 تغييراً جذرياً في السياسة الإسرائيلية بهدف استمالة السكان السوريين المتبقين في قرى الجولان بعد حرب حزيران 1967 واقناعهم أن مصلحتهم تقتضي القبول بالواقع الإسرائيلي، وأن سوريا كدولة انتهت وستتقسم وستمزقها الصراعات الطائفية. وكان هدف إسرائيل المبيت هو استعمال ورقة السكان السوريين في الجولان أمام الرأي العام، لتقول للعالم أن هؤلاء السكان يريدون بقاء السيادة الإسرائيلية على أرضهم. فقد سرعت مشاريع الأسرلة وذلك من خلال تخصيص ميزانيات ضخمة لتطوير البنية التحتية في قرى الجولان، ومن خلال تشجيع السياحة وكذلك بدأت بمحاولة استمالة الجيل الصاعد للقبول بالجنسية الإسرائيلية والانخراط بالواقع الإسرائيلي، وأدخلت إلى المدارس العديد من البرامج للتأثير على هذا الجيل مثل الشبيبة العاملة والمتعلمة والكشاف وغيرها، ومؤخراً حاولت فرض الانتخابات للمجالس المحلية، وكل ذلك بهدف إيهام العالم، ان أهل الجولان منخرطون في الواقع الإسرائيلي ويريدون استمرار سيادتها عليه.

ولكن أهل الجولان فهموا ما ترمي له السياسة الإسرائيلية وماذا كانت ستقول حكومة إسرائيل، وكيف كانت ستستغل ذلك. حتماً سيكون من بين ما يقولون «…. ونزولاً عند رغبة السكان المحليين الذين لا يريدون أن يعود الجولان إلى السيادة السورية، قررت حكومة إسرائيل أن تطلب من حكومات العالم الاعتراف بالسيادة الإسرائيلية على الجولان لحماية هؤلاء السكان المدنيين من مصير مجهول». طبعاً ليس الهدف تضخيم دور هذه القلة القليلة ممن تبقى من السكان السوريين في الجولان في عملية الصراع الدائرة في منطقتنا، فهم يدركون أنهم لا يقدمون ولا يؤخرون في قرارات الدول، ولكنهم انتبهوا أن من الممكن أن يستغلوا من قبل الاحتلال الإسرائيلي لتسويغ قرارته وتجميلها ما يجعلها أكثر تأثيراً على الرأي العام المحلي والعالمي.

لقد كان حاضراً أمام الجولانيين السوريين مساهمة آبائهم وأجدادهم في صنع التاريخ الحديث لسوريا، فقد قاوم أهل الجولان الاستعمار التركي، وقدموا أكثر من 150 شهيداً ابان الثورة السورية ضد الاستعمار الفرنسي لإنجاز استقلال الدولة السورية، واستطاع سكان الجولان أن يسطروا أنصع الصفحات في مقاومتهم لقرار الضم الذي فرضه الكنيست الإسرائيلي في أواخر 1981 وأعلنوا اضراباً مفتوحاً استمر لخمسة أشهر ونيف، إضافة إلى العديد من الإنجازات التي لا مجال لذكرها في هذه العجالة.

وبالرغم من انقسام الجولانيين بين موال للنظام السياسي في سوريا ومعارض له، قرروا ترك خلافاتهم جانباً وتوحدوا أمام الهجمة الإسرائيلية الجديدة، واستطاعوا إفشال جميع المشاريع التي سعى لتحقيقها الاحتلال. فلا يتعدى نسبة حملة الجنسية الإسرائيلية بعد 52 سنة احتلال 12 في المئة بمن فيهم الذين سكنوا الجولان من قرى الجليل بعد 1967 والذين هم في الأصل يحملون الجنسية الإسرائيلية. واستطاعت لجنة أولياء الأمور في المدارس المدعومة اجتماعياً التصدي للمشاريع التي فرضت على مدارس الجولان ومنعوا مشروع الكشاف ومشاريع أخرى مشابهة، وتصدى أهل الجولان موحدين لانتخابات المجالس المحلية وأفشلوها، وكان للجيل الذي راهنت عليه إسرائيل الدورا الهام في افشال مشروع الانتخابات.

إن أهل الجولان وبغالبيتهم العظمى متمسكين بانتمائهم لسوريا، ويعتبرون أنفسهم جزءاً حياً وفعالاً من هذا الشعب، ولهم مساهمات كبرى في ماضي الدولة السورية وحاضرها، ولذلك لن يغير قرار ترامب في توجهاتهم بالرغم من كل الصعوبات والتحديات والمغريات التي تواجههم كسكان تحت الاحتلال، وبالرغم من فهمهم للمخاض العسير الذي يخوضه بلدهم سوريا لاستعادة سيادته ولحمة نسيجه الاجتماعي وبناء دولة حديثة، تحترم قيمة الإنسان وكرامته بعيداً عن التعصب الطائفي والقومي.

عن astarr net

شاهد أيضاً

252

لا لسنا بخير….استشهاد ثائر ونزيه وليد محمود

  لا لسنا بخير….   استشهاد ثائر ونزيه وليد محمود عشتار نيوز للاعلام/ مقالات الرأي/ فشة …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: النسخ ممنوع !!