السبت , مايو 30 2020
الرئيسية / قضايا وتقارير / غرفة رقم 11 – شعر أرواد خاطر

غرفة رقم 11 – شعر أرواد خاطر

غرفة رقم 11 – شعر أرواد خاطر

       08/07/2005

 

إلى روح الأسير الشهيد هايل أبو زيد- الأسير في الغرفة رقم 11

شعر: أرواد خاطر

غرفة رقم 11

الساعة تجاوزت مواعيد انتظار الشّهداء

فتحتُ النافذة على دربهم..

تمطر السماء في تموز.. وأنت ماذا تراك الآن تفعل؟

* * *

قمراً خبأتُك أوسع من رغيف الحلم

وأبعد من سياج الضباب..

فامتلأت قصائدي بأنفاس أيامك التعِبة..

وفي تموز.. يعود الشّهداء متعَبين..

من فوضى النجوم في حرّ الاسم الذي سبقهم

وتركهمْ منسيين منسيين في الفراغ..

وأنت  نائم الآن بوَسْم الحنطة النابتة في ماء دمك

مثل الشّهداء الطيّبين،

وعكسهمْ..

تمرّ بشرود الأغنية المتباطئة..

في أنابيب الأنفوزيا الموصولة بتاريخ الصراخ الغابر

والذي لم يخرجْ ولم يصدأ..

تمرّ في أبواب الزيارات السريعة..

وذكريات الكلمات التي لم تُطفأ..

وعكس الشّهداء الطيّبين..

تعبر هذا الضباب الكثيف

* * *

خالتْكَ ساحرات الغيم راحلاً..

هذا الصّيف

لكنها استيقظت على رائحة جلدك

تطرق مساءات المستحيل

وفراشات الحبق في مسام الصلاة..

رأتك كما ترى الأمّ

لحظة جنينها المنزلق

فاغرورقت السماء ببقاء حادثة ذاكرتك

ونبتت على أجنحة السنونو

منعطفات من رياح..تحمل أبيض الورق

أنتَ مِمَّن يَصِلون

في أشد ضجيج الوجع..

وأنت سماء أخرى.. لهذه السماء

تحملك أسرار القمح من هذه الأرض

وأنت جالسٌ وحدك..

دون سنين كانت قد مرّت في وجه أمك

عام بعد عام.. وأنت جالس وحدكْ

كالآن الذي يمطر..

في عباب سريرك الأخضرْ..

جالسٌ على عراء الأسئلة الآتية من تموز..

أتمطر في تموز..؟!

إنها الآن تمطر..

وابتسامتك تغافل مرايا الخدع البشرية

وترى عمرك َ السنابلَ

أوضح مما قالت فحوصات الدّم والبول والمناعة والأشعة والأدوية اللعينة المُستحدَثة

* * *

ألأنك تملك نافذة على صباح الياسمين

عبرتْ أسراب الشّهداء تحت جلدك..

واضحة الحياة والمعالم؟

أم أنك سماء أخرى.. لهذه السماء!

أفتح شارعاً جديداً في دمي

وأراك..

أفتح ليلاً آخر في سفري

فأرى أحلامك القديمة..

وأمنياتك الملمّعة من شحوب البنفسج

توقظ سيدة التوقف الفجائي اللامبرَّر من موتها

وتبتسم صاعداً عبر المطر..

ولماذا ابتسمتَ للموت حين الموت خطاك إلى موته؟

ألكي تشفيه من عادات الخوف والسّرقة..

أم كي تفسر له في هذه اللحظة العنيدة..

لمَ تمطر السماء في تموز..؟

* * *

في غرفة العناية الفائقة..

تتموج قمم السّرو

أسفل قدميك الباردتين..

صباح  الخير للمشمش الذي استوى في وجه امرأتي

صباح الخير على ترتيب أصابعها العشرة..

مددتُ السرير إلى جانب خصر الأفق

وتسلّلتُ من مدائح الأصدقاء والغرباء

إلى الفراشة التي نامت على كتف امرأتي..

درنا حول الضوء كثيراً..

واحترقنا بفتات الكلام

متى أحضّر فنجانَيْ قهوة دون ثالث يسكننا؟

تسأل امرأته وهي نائمة في فوضى المكان..

سنعيش على القهوة الثلاثية..

حتى يُشفى الرخام من ملوك الرخام

ونتزوج كما يحلو للأبنوسة البيضاء ..

أن تقف  أمام باب يؤدي إلى غابة ..؟

ثقي بأغنية حلوة أعجبتكِ،

 فيستدير مُحْمَرّاً العنبُ في كل المواسم..

ولكنْ،

لا تأمني لسكون الرّيح..

تضيّعنا الريح كثيراً قبل أن نلتقي..

اتبعني إذاً وتعال نترك غرفة العناية الفائقة

سأتبع صهيل أطفالي فوق أغصان الدفلى..

وسأشتري لشَعركِ احتمالات المطر الغريب

يوم تورق الصحراء باسمك واسمي

ويوم أخرج من مساحة غرفتي المكثّفة بالسعال..

والإبر وأجهزة الاختباء اللزجه من مرض  المسامير

* * *

أحياناً،

تحملك البناية المرتفعة على تقيؤ الماضي..

وتنتشر في كل السّاحات خطواتكَ الذهبية ..

القادمة عمّا قليل

كخيوط قوس قزح.. المعصومة عن الرحيل

وكأنك وُلدتَ لتشهد على نبض آسيا في حوادث المتوسط

أو أنك منذ البداية..

عرفت أن للسماء سماء أخرى هي أنتَ

وتودعك كل جماعات الزهر المسالم

وراجعات الصدى من عشب القبور

تودعك للمرة الأخيرة :

لا.. أنت لست لطين الموت

وعشب الأبدْ..

عُدْ لغسل مناقير الحمام عند مفارق البلدْ..

يورق المستحيل في رطوبة الصلوات ..

وأغنيات صدرك السّقيم

مازلتَ تشبه الشّهداء بطيبتهم

ومازال اسمك يسبق ورد خطوتك..

لكن الفراغ لا يجرؤ أن يحتويك

* * *

هائمٌ على أجزاء بعضك..

وبعضٌ منك يرفض الموت الأنيق

وترى ما لا يرى إلهٌ يهزّ رجله اليُمنى بلامبالاة

أجل ترى كل ما لا يراه إلهٌ مراهق..

أخفق بقراءة اسمك.. وجينات مراثيك

اسمكَ أرضٌ

وامرأتك فضاء للحساسين..

نقرأ..آلافاً نأتي آلافاً نذهبْ

نقرأ “هاء

نصمتْ ونُخرِسُ أضواءنا السّخيفة

كلنا نقرأ “هاء”.. ويهبّ المطر عارياً من أكاسيد البلدْ

نقرأ..بالآلاف نقرأ “هاء

ونقف كالنقطة البلهاء في بداية السطر

نصير “هاءً” .. كلنا نصير “هاءْ

وتطلع من شقوق تموز أشجار المطرْ

أنت لست وحدك غريباً.. وليس بقاؤك غريباً

إنما أيضاً غريبٌ في تموز هذا المطر

* * *

جمعتُ لحظات البحر منذ خروجك الأول

فكبِرَتْ أسراب المرجان دون بكاء

فوق الباب الزجاجي في بيتك

تسلقَتْ عيناي باب الزجاج

أخبرته أنني سأحبس بكتيريا الجلد على جلدي..

وأنني سأخرج عن كل الاعتبارات الناقلة للمرضْ

تسلقَتْ عيناي باب الزجاج بهدوء دامع..

طالبة أن أدخُل..

لكن الزجاج، مثلي رفَضْ

وأنا الآن أجمع لحظات البحر..

أنا.. أجمع منذ قدومك الأول

لحظات البحر!

* * *

أنتَ لن تموت

لا اليوم ولا غداً

                  لا اليوم ولا غداً

                                     لا اليوم ولا غداً

قد تكون الستائر في صدرك محشوة بالدخان

قد يكون نفَسُك أثقل من مسافة تجلس بين عيون الحجل

وقد تكون مريضاً في غرفة بعيدة

محملةً بأرصفة القطارات المنتَظِرة

والحقائب المملوءة ثياباً لن تلبسها أبداً

قد تكون مريضاً جداً في غرفة ضيقة المدخلْ

مصبوغة ببقايا الزوار المسرعين

واسعة كلّما دخلت  أدمى.. أو دخل أيمن

قد تكون مريضاً جداً.. جداً

في غرفة مريضة جداً.. جداً

لكنك إله لسماء قريبة من سمائنا..

ولن تخرج عن حياتنا كل هذه المدة.. أبداً!

* * *

أسمع طنين النّحل في أطرافك الصلبة الزرقاء

فُكّوهُ من حالة الحصار

فُكّوهُ من جنون الأسبيرين

سيذهب قليلاً ليرتاح.. وسيعود وفي جسده عسل!

* * *

لقد غفوتَ قليلاً على زندي..

تقول امرأته.. وتكمل سيرها في الحديقهْ:

رأيتك تحلم نفس الحلم مرتين..

خفتُ أن تشتهيك النهاية السّريعهْ..

فأنقذتك من تكرر الحلم بين الصباح

وغيبوبة الظهيره..

تقطع امرأته مسافة أخرى..

لحافّات العنب والصنْدل

ويجلس هو كالعصافير الرقيقة..

فوق ركبتين من حزنها

يقطع عليها ما قطعته في مسافة شرودها

ويسألها عن شكل الحلم:

ماذا فعل بنا الحلمُ؟

رتبت امرأةُ الخريف../ امرأتهُ

رتبت تراب الجولان حبةً حبهْ

في المزهرية جانب سريره..

أنجبت طفلاً.. وضعته في المزهرية

وسقتْهُ دفعة واحدة أصابعها العشرة..

وقالت، قبل أن تغيب وراء السياج:

هكذا هو الحُلمُ

* * *

هايل أبوزيد

لقد أمطرتْ في فجر الخامس من تموز..

ابنة  قحبة هذه الحياة

أفلا تخرج عن قوانينها قليلاً أنتَ أيضاً..؟

 

مجدل شمس- فجر 5/7/2005

 

 

 

عن astarr net

شاهد أيضاً

safe_image (2)

الموسم الزراعي في الجولان المحتل في مواجهة الكساد والاحتلال

الموسم الزراعي في الجولان المحتل في مواجهة الكساد والاحتلال  مركز حرمون للدراسات المعاصرة/ اقتصاد الكاتب …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: النسخ ممنوع !!