الخميس , نوفمبر 14 2019
الرئيسية / اخبار سياسية / الاخبار / اخبار محلية / قضايا المجتمع / في الحاجة إلى مؤسسات المجتمع …
29-03-660x330

في الحاجة إلى مؤسسات المجتمع …

في الحاجة إلى مؤسسات المجتمع …

عشتار نيوز للإعلام / قضايا جولانية/ ايمن أبو جبل

ثمة قناعات محلية بأن الحديث عن مؤسسات المجتمع الجولاني، مضيعة للوقت، لما يعبر عنه المواطن الجولاني من أحاديث سلبية عنها. وبعيدا عن الخوض في تفاصيل تلك الأحاديث او ظروف واحوال تلك المؤسسات وغيرها. من مخازن التبريد(البرادات)، لجان وجمعيات المياه، مجالس محلية، مراكز طبية وجمعيات تنموية وحقوقية. لجان اوقاف دينية، حملات شعبية تنشط بين الحين والأخر، غالبا ما تكون انطلاقتها كرد فعل لفعل يجري.

في الواقع لا يتجنى احداً على تلك المؤسسات والجمعيات واللجان، فقد أهدرت الوقت والمال والجهد، والتضحيات الجسام التي بذلها روادها وناشطوها دون أن نتلمس منها أي تأثير على مستقبل مجتمعنا، من خلال رسم برامج تخططيه او استراتيجية. وان اردنا ان نكون منصفين وموضوعيين بعض الشيء فيجب الإشارة الى ان ضعف او شلل او فشل تلك المؤسسات نابع من تجاذبات محلية ومشاكل إدارية وتنظيمية ومالية ومشاكل ،ومشاكل في التخطيط الاستراتيجي، وطموحات ربحية . مع الإشارة الى العديد من تلك المؤسسات والمراكز والجمعيات قد حققت نجاحات نسبية في مجالات معينة، قد يتباهى بها ناشطوها واعضاؤها، مع حفظ التقدير لدورهم وعملهم الذي يرونه نافعا ومفيدا في خدمة المجتمع، الا ان الحاجة الاجتماعية تتخذ منحى اخر معهم، ومن خلالهم، بعيدا عن تقييماتهم لعملهم.

خلال هذه الأيام يُنهي مزارعو الجولان قطاف موسمهم من منتوج الكرز الذي يدر سنويا حوالي 200 مليون شيكل على الاقتصاد المحلي في قرى الجولان، خلال فترة قصيرة، تمتد بين شهر ونصف الشهر. حيث يجسد القطاع الزراعي في الجولان قيمة وثروة أخلاقية ووطنية واجتماعية جولانية، يتقاسم مسؤوليتها كل أطياف المجتمع الجولاني. حيث تتعرض الزراعة خلال السنوات الأخيرة، الى عملية وأد وتجفيف، واستنزاف يومي للمزارع، دون ان يقدم المجتمع أية بدائل عملية، لتجنب انهيار الزراعة في الجولان. في ظل فتح أبواب السوق المحلية كاملة، لجشع التجار الإسرائيليين والمحليين على حد سواء، في التحكم بالأسعار وتحديد قيمة جهد المزارع، بأبخس الاثمان، دون ان يتوفر للمزارع اية فرصة في تحديد قيمة منتوجه، وقيمة جهده وعمله، والتعامل معه بكل إهانة واذلال خلال تصريف منتوجه في الأسواق المحلية.

قبل عدة سنوات طُرحت عدة أفكار واقتراحات كحلول علاجية لمشاكل الزراعة في الجولان خاصة في موسم قطاف التفاح والكرز، واستوقفني آنذاك اقتراح للزميل نبيه عويدات الذي يشغل اليوم مديرا لإحدى مخازن التبريد، تلخص الاقتراح بتخصيص جزء من العطلة الصيفية لطلبة المدارس، الى فترة موسم القطاف، لحل ازمة العمالة اولاً ، وتوفير فرص عمل للطلاب بأجور محترمة ثانياً، كغيره من الاقتراحات لم يلق هذا الامر أي اهتمام او دراسة اونقاش لائق.

ويستوقفني اليوم أحد المزارعين حين قال” ان الكريم والشهم يفضل الموت على المهانة” وهو يرمي جزءاً من منتوجه الذي قطفه، على الأرض، لتبقى الخسارة المادية، ارحم واحن عليه من الخسارة المعنوية التي يتعرض لها خلال عملية تصريف المنتوج.

وتستوقفني حالات عديدة لعمال مياومين في قطاف الكرز هذا الموسم، رفضوا العمل في بساتين الكرز لدى الإسرائيلي بسبب تدني الأجور (170 شيكل)، واحد المقاولين المحليين الذين رفضوا العروض الزهيدة المقدمة لهم من الكيبوتس الإسرائيلي لقطف الكرز، فوجدوا في الايدي العاملة الرخيصة من خارج الجولان حلا لازمتهم دون اية تأمينات، في الوقت الذي يتلقى فيه العاملون الأجانب ( صينين وتايلانديين) اجورا محترمة(250-300 شيكل ) مع كامل التأمينات الصحية والاجتماعية .

هذا المنتوج تحول لدى المستوطنين الإسرائيليين في الجولان المحتل، الى ثروة وطنية إسرائيلية يتباهى بها قادة الاستيطان، واللجان والمؤسسات الاسرائيلية، وتمنح ثمرة الكرز احترامها اللائق، فكل مستوطنة تخصص أسبوعا كاملا من المهرجانات والفعاليات والبرامج السياحية والترفيهية والثقافية خلال الموسم تدر أرباحا هائلة على المستوطنة والمزارعين على حد سواء.

وكل المستوطنات الإسرائيلية، تلتزم في عملية ضبط وتنظيم العمل من رش المبيدات ومعالجة الآفات الزراعية، وضبط عملية التسميد والري، والقطاف والتسويق، فتحافظ ثمرة الكرز والتفاح على قيمتها المادية والمعنوية والربحية والاستثمارية…

بخلاف الواقع المُزري، الذي نتعامل نحن به مع انفسنا، ومع ثرواتنا، فكل قطعة ارض تخضع الى مسؤولية جمعية مياه في الجولان دون استثناء، وتُجني هذه الجمعيات أموالا هائلة جداً من المزارعين، تتوزع اثمانها على المياه والرش بالطائرة واجرة الناطور، وعمليات اصلاح وتطوير مختلفة وشراء أجهزة، وجميعها لم تخرج من دائرة الاستهلاك، رغم تفاوت العمل والأداء والنتائج بين جمعية وأخرى، وكل منتوج التفاح يخضع الى عملية التخزين والتبريد والتصنيف في مخازن التبريد.

في المقابل ينمو في كل موسم، تاجر محلي جديد، يعمل لحساب تاجر إسرائيلي، لجمع وبيع المنتوج، وأصبح لدينا عشرات التجار المنتشرين في بسطات الاستلام، على الشوارع والساحات، يؤدون دور الوسيط بين المزارع المحلي والتاجر الكبير. دون ان نتحدث عن المنافسة الغير شريفة فيما بينهم، الذي يكون ضحيتها الأولى والوحيدة المزارع وحده.

مجتمعا صغيرا كمجتمعنا استطاع الصمود بإمكانياته الذاتية المحدودة طيلة الـ50 عاما الماضية، امام تفتيته وتذويبه ودمجه في السيستم الإسرائيلي، ويتحدى بكل قوة مشروع الطوربينات الهوائية التي تهدد مستقبله، استطاع بناء مراكز طبية متقدمة، تضاهي القائمة في وسط تل ابيب وشمال اسرائيل، وبناء مشاريع اقتصادية كبيرة جدا قياسا الى حجمه وتعداد سكانه، كمشروع مخازن التبريد، والفنادق والغرف السياحية بمستوى لائق تجذب السياح الى منطقتنا، واستصلاح أراضي زراعية في أعالي الجبال والتلال، ومد خطوط المياه اليها ،متحديا التضاريس والصعوبات الهائلة، مجتمع لا يزال يتحدث العربية، ويصون هويته  في ظل مشاريع الاسرلة والاندماج، بإمكانياته الذاتية فقط، أليس قادراً على ضبط ثرواته الوطنية، والاتفاق بالحد الادنى على توحيد عمله من خلال القائم  بين يديه من مؤسسات اقتصادية وجمعيات زراعية، ومركز زراعي انطلق مؤخراً ، بإشراف مهندسين زراعيين..؟؟؟ الا يستحق مجتمعنا ومستقبله بعضا من رصد الميزانيات، وخطط التطوير والانماء لما فيه مصلحة الجميع دون استثناء. وخلق اليات عمل قانونية لتفعيل رقابة أخلاقية وقانونية مستقلة، على عمليات جنى الأموال من المزارعين، والصرف والبيع والتسويق، بعيدة عن اشراف وتدخل اللجان الداخلية لتلك المؤسسات.

فقط للمقارنة، واستخلاص العبر، احتراما للعمل الزراعي والخيرات الزراعية، وتنيمه روح الانتماء للأرض، تقوم المستوطنات الإسرائيلية في الجولان المحتل، التي استحوذت على الأرض السورية وخيراتها، وعلى بعد امتار قليلة من بساتيننا الزراعية، بافتتاح مدرسة ثانوية زراعية خاصة تحمل اسم ( انسان وارض) في مستوطنة اورطال (  قرية الدلوة السورية المدمرة)  بدعم المجلس الإقليمي للمستوطنات الإسرائيلية في الجولان، وتعمل المدرسة وفق نظام البجروت الإسرائيلي ، يعمل طلابها يوميا في الزراعة لتعزيز انتماء  الطالب بالأرض لمدة خمسة ساعات عمل يوميا( مقابل اجر مادي للطالب) وبعد استراحة لعدة ساعات، يداوم الطلاب في الصفوف الدراسية لمدة 3 ساعات للتعليم ،في مختلف المواد التعليمية التي تطلبها شهادة البجروت. وتحتسب أيام العمل كحصص وعلامات دراسية للطالب.

فهل تستطيع المجالس المحلية التي توازي من الناحية الإدارية والتنظيمية المجلس الإقليمي للمستوطنات، او المدارس في الجولان تخصيص حصص زراعية (وليس بالضرورة مدرسة رسمية او أهلية)، كجزء من المشاركة المجتمعية التي تُطبق على طلبتنا، لكسب علامات مساعدة في شهادة البجروت؟ وهل زرع قيم الانتماء للأرض من خلال التوجية الرسمي للعمل فيها، مقابل تلقى الطالب اتعابا لجهده تضمن مصروفه، امرا مستحيلا ..؟؟

نعم نحتاج الى وقفة صادقة وحقيقية مع ذواتنا مجتمعين بعيدا عن التجاذبات السياسية والاجتماعية التي أصبحت مُرهقة جداً وقفة تمنح الفرصة فيها للمهنيين والمختصيين، وليس للمهتمين والناشطين، تحفظ ما تبقى امامنا ولنا من ارث وموروث، وترسم استراتيجيات محددة، لأعمال محددة في هذا الصدد. فلم تعد الساحة تحتمل هذه الازدواجية بين المختص والمهتم، وهذا الازدحام في الاجتماعات الشعبية التي لم تفرز نتائج أكثر من الفشل…

ولربما نستفيد من نبوءة مهندس السياسة الإسرائيلية شمعون بيرس حول اجتماع المال مع العقل” ونخاطب لجان الأوقاف ومخازن التبريد وجمعيات المياه،وجميعات التنمية، والمجالس المحلية، بتخصيص جزء من ميزانيتها واموالها المحفوظة الى صياغة استراتيجية زراعية وسياحية، بمساعدة واشراف المختصين الزراعيين المحليين، وان لم تلبي خبراتهم وشهاداتهم الاستعانة بخبراء أجانب لإيجاد الحلول العملية التي تجبرنا جميعا أخلاقيا على الأقل الالتزام بها، عدا عن الإمكانيات التي ستتاح في المجالات المادية والاقتصادية والتربوية والسياحية التي تعود بالفائدة علينا جميعا….  لان هذه الأرض يجب ان تبقى لمن يحترمها ويصونها ويدافع عنها، وليس لمن يُهين خيراتها….

 

عن astarr net

شاهد أيضاً

hamd halbi01

وفاءً وإنصافاً وعرفاناً للذاكرة الجولانية… مشروع مجاز يُنشئ -مكتبة الجد حامد الحلبي”.

  وفاءً وإنصافاً وعرفاناً للذاكرة الجولانية… مشروع مجاز يُنشئ -مكتبة الجد حامد الحلبي”. عشتار نيوز …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: النسخ ممنوع !!