الأحد , سبتمبر 15 2019
الرئيسية / ملفات الارشيف / معالم جولانية / القرى السورية المدمرة / إسرائيل” تحتلّ التاريخ بعد الجغرافيا وتُخفي خسائر قديمة
jomrok2019

إسرائيل” تحتلّ التاريخ بعد الجغرافيا وتُخفي خسائر قديمة

إسرائيل” تحتلّ التاريخ بعد الجغرافيا وتُخفي خسائر قديمة

تحقيقات وتقارير / شبكة جيرون الإعلامية

أيمن أبو جبل

تواصل “إسرائيل” عملية احتلال التاريخ بعد الجغرافيا، وتغيير الهوية السورية بشكل منهجي، وذلك من خلال عبرنة الأسماء السورية وتهويدها، وتشويه الحقائق وتحريف الوقائع التي تدل على أصل المكان، وحركة التاريخ السوري فيه، ترسيخًا للخطاب الصهيوني بتشريع أحقيته المفقودة في الجولان السوري المحتل.

بيت الجمرك السوري (طريق حيفا – دمشق)  الذي تُطلق عليه “إسرائيل” (بيت هميخس) كان هدفًا عسكريًا مهمًا للقوات الإسرائيلية منذ العام 1948، حيث هاجمت قوات (البلماخ) الصهيونية بيت الجمرك بقيادة إيغال ألون، واستطاعت احتلاله وقتل 10 جنود سوريين، وأسر ضابط سوري.

بعد حرب حزيران 1967، بقي بيت الجمرك منطقة مهملة، على الرغم من أهميتها الطبيعية والاستراتيجية في الجولان، ولم توافق السلطات الإسرائيلية على العديد من المشاريع التطويرية التي قدمها مجلس المستوطنات الإسرائيلي، لإبقائها بعيدة عن الذاكرة الإسرائيلية الموجعة، وإخفاء ما حاولت التستر عليه من أسرار عسكرية شهدها الموقع.

يعود بناء بيت الجمرك إلى ما قبل 85 عامًا، خلال سنوات الاستعمار الفرنسي لسورية ولبنان، ليكون معبرًا دوليًا بين الانتداب البريطاني على فلسطين والانتداب الفرنسي على سورية، وفي أعلى المنطقة على بعد 2 كم شرقي جسر بنات النبي يعقوب (المنطقة الفاصلة بين فلسطين وسورية) أُقيم مبنى بإشراف مهندس ألماني ليكون شبيهًا بالمباني الأوروبية الفاخرة آنذاك، حيث أراد الفرنسيون التباهي بتلك المباني أمام نظرائهم البريطانيين، وضمّت كل الخدمات اللوجستية، وفيه كان المسافرون والزائرون، من فلسطين إلى دمشق التي لا تبعد سوى ساعة واحدة، يختمون جوازات سفرهم فيه.

jomroq

بيت الجمرك عام 1969

في عام 1941، سيطرت قوات حكومة فيشي الحليفة لألمانيا النازية، على بيت الجمرك كما على سائر أنحاء سورية، خلال الحرب العالمية الثانية، وقامت ببناء تحصينيات عسكرية حوله خوفًا من هجوم بريطاني مفاجئ، وبعد الجلاء وخروج الفرنسيين من سورية، تحول المكان إلى موقع عسكري سوري، ومنه كانت القوات السورية تتصدى لأي محاولات إسرائيلية بالتوغل إلى أراضي الجولان، حيث منعت القوات السورية في السادس والعاشر من تموز/ يوليو 1948 تقدّم قوات إسرائيلية حاولت احتلال الموقع.

في التاسع من حزيران/ يونيو 1967، قصفت الطائرات الإسرائيلية المبنى بقذيفة تزن نصف طن، ما تزال آثارها ظاهرة إلى اليوم، وتم احتلاله والسيطرة عليه، مثل سائر مناطق الجولان السوري. وانتهى الزمن الذهبي للمعبر، وبيوته ومبانيه الأوروبية، وانتزعت أبوابه وشبابيكه الفاخرة ونُهبت، ولم يبق منه سوى آثار الرصاص والقصف وكتابات بالعبرية والعربية على الجدران، وبعض بقايا فضلات الإنسان والحيوانات، ولافتات للمستوطنين ترفض الانسحاب من الجولان تحت أي ظرف.

في عام 2012، استطاع رجل أعمال إسرائيلي يدعى “ليو غلزر” شراء المنطقة التي تعدها سلطة “إسرائيل” ملكًا قانونيًا لها، بحكم القوانين العسكرية الإسرائيلية بعد احتلال الجولان، بغرض إقامة فندق سياحي على أنقاض المباني القائمة حاليًا، وهو مستوطن قدم إلى الجولان، وأراد استثمار تاريخ المكان في الذاكرة الإسرائيلية، وفي نيته رفد وتعزيز حركة الاستيطان والسياحة الإسرائيلية، في الجولان السوري المحتل، وتخليد ذكرى القتلى الإسرائيليين الذين كُشف النقاب عن قصتهم، قبل سنوات قليلة فقط، بعد التكتم الكامل على حادث مقتلهم، في انفجار هائل في بيت الجمرك. حيث كشف أحد الجنود القدامى عن الحادث، من خلال إكليل ورد وضعه على عامود في الطريق الرئيسي المقابل لبيت الجمرك السوري، كشف أسرارًا عسكرية أخفتها الرقابة العسكرية الإسرائيلية عن الجمهور، وعن ذوي الجنود أنفسهم.

طوال خمسة عقود، ظلّت “إسرائيل” الرسمية ترفض الكشف عن نتائج اللجنة التي شكلتها للتحقيق بمقتل 11 جنديًا إسرائيليًا من الكتيبة 13 في لواء “غولاني”، قُتلوا في 15 حزيران/ يونيو، نتيجة انفجار سبعة أطنان من المتفجرات الملغمة في أحد الخنادق السورية المهجورة، بعد خمسة أيام من انتهاء حرب حزيران “الأيام الستة”، وتوقيع اتفاقية فصل القوات بين القوات الإسرائيلية المنتصرة والقوات السورية المهزومة.

اثنان وخمسون عامًا مضت، كانت منطقة بيت الجمرك السورية، في الجولان المحتل الواقعة إلى شرقي جسر بنات النبي يعقوب، تحتضن رفات جنود سوريين احترقت أجسادهم داخل عرباتهم وآلياتهم العسكرية، هنا تلاقت المصلحة الأمنية الإسرائيلية والسورية العليا، لدفن ملفات الحرب التي ما تزال جرحًا في ذاكرة كل السوريين، وجرحًا لإحدى عشرة عائلة إسرائيلية، قُتل أبناؤها بعد الحرب من دون أن يكتشفوا حقيقة مقتلهم أو الظروف التي قُتلوا بها.

jomrok2019

بيت الجمرك عام 2019

بعد مضي 47 عامًا على الحرب؛ وافقت “إسرائيل” على مواساة أهالي القتلى الإسرائيليين بالموافقة الرسمية على تشييد فندق وموقع تذكاري، يُخلد ذكراهم في الموقع الذي تطايرت فيه أجسادهم نتيجة الانفجار الكبير الذي أودى بحياتهم، وسورية الخاسرة لأرضها وسيادتها في الجولان المحتل تواسي أهالي الشهداء والنازحين والجنود السوريين المفقودين خلال حرب حزيران/ يونيو، بشن حرب إبادة جديدة عليهم.

 

أريه أورون شاب إسرائيلي من مدينة الخضيرة، انخرط في صفوف الجيش الإسرائيلي في الكتيبة رقم 13 في لواء “غولاني” الفرقة الرابعة، وهو لواء مشاة ضمن الجيش الإسرائيلي، تأسس في 22 شباط/ فبراير 1948، يصف الحادثة التي ما تزال تحرمه النوم حتى اليوم، إذ يقول: “قبل 47 عامًا، كنت شابًا صغيرًا لم أبلغ الثامنة عشرة من عمري، واليوم قد هرمت، والبياض يغطي رأسي، سأحاول أن أترك هنا شهادتي حول الأحداث التي رافقتني في شبابي، وكلي أمل وثقة أن أتحلى بالقوة، وأكون أمينًا بشهادتي بنقل تفاصيل ما جرى في تلك الجبال البازلتية السوداء في الجولان، حيث الصخور الداكنة ما تزال تثير القشعريرة في جسمي مثلما أشعر الآن”.

وتابع: “في حياة كل فرد منا محطات ومفارق، وقد تكون أحيانًا مخيفة ومؤلمة، لما تحمله من ذكريات أليمة وقاسية حتى وإن مرّ عليها سنوات، لكن الأبرز في محطات حياتي ما حدث، في حزيران/ يونيو 1967، تلك المحطة التي لم تفارقني، وكأنها نار تسري كالهشيم في جسمي تخيفني وترعبني وتؤرقني، فلقد استُدعينا بشكل عاجل للخدمة العسكرية في منطقة “عميعاد” قرب روش بينا، وكنت أنتظر صدور الأوامر إلينا، بعد أن وصلتنا أخبار المعركة في تل الفخار وتل العزيزات، وصدر الأمر إلينا بالتوجه سيرًا إلى مفرق بانياس، وصلنا إلى قرية مهجورة، وبدأنا بدخول المنازل والتفتيش عن مسلحين، ثم تابعنا تقدمنا بالصعود إلى أعالي الجولان حاملين أسلحتنا وبعض المضادات الحربية، وأقلّنا في منتصف الطريق باصٌ تابع لشركة (إيغد) كان ينقل العسكريين إلى الجولان، حيث وصلنا إلى مدينة القنيطرة، وهناك دخلنا البيوت والمنازل نبحث عن مسلحين، وقد استوعبنا حقيقة ما حصل، وكيفية احتلال الجولان خلال ساعات، وسمعنا  قبل ذلك بأيام عن سقوط مدينة القدس المقدسة أيضًا بأيدي جنودنا”.

وأضاف: “بعد ثلاثة أيام من انتهاء الحرب ووقف القتال، وبالتحديد في 15 حزيران/ يونيو، حيث كان عيد الأسابيع اليهودي على الأبواب، كنا نتوقع أننا سنعود إلى بيوتنا للراحة، لكن قيادة الجيش الإسرائيلي قررت جمع الأسلحة والمعدات الحربية المنتشرة على المساحات الكبيرة التي تركها الجنود السوريون، وهي بمعظمها سليمة، وأُعطيت الأوامر إلى فرقتنا بجمع تلك الأسلحة من منطقة بيت الجمرك، في أعالي جسر بنات النبي يعقوب، وفي محيط بركة الضباط السوريين القريبة، هناك كان في انتظارنا مشهد حي من مشاهد الحرب، سيارة جيب عسكرية سورية معطوبة، أبوابها مفتوحة، وعلى كرسي السائق جثة جندي سوري محترقة تمامًا، وبالقرب منها جثث أخرى محترقة أيضًا، حينها أحسست برائحة الحرب الحقيقية، وقبل البدء في تنفيذ المهمة، جلسنا نتناول الفطور الصباحي في بيت الجمرك الواقع على المفرق، وكانت الساحة نظيفة ومرصعة بحجارة صغيرة، جلسنا مع معداتنا لتناول الفطور الذي أُعد لنا في مطبخ المبنى السوري بطناجره وصحونه التي ما تزال نظيفة أيضًا، وشملت الوجبة نصف حبة بندورة وخيارًا وبيضًا وقطع خبز وفنجان شاي أسود ثقيلًا، وكنت غارقًا في التفكير صبيحة يوم العيد، أفكر في بيتي وأهلي وعائلتي، وأذكر أنني حسدت الجنود الذين سُمح لهم بقضاء الإجازة مع ذويهم، فجأة انقطع التفكير بعد صدور الأمر للمجموعة الأولى من فرقتنا، بالتوجه إلى المكان المستهدف لجمع الأسلحة السورية. قائد فرقتي (إيلي بن يكير) مرّ من أمامي، وقال لي: (اجلس وانتهي من طعامك، سأذهب أنا وباقي أعضاء المجموعة إلى ذاك الخندق)، ولم أكن أعلم أن هذه الجملة قد حددت مصيري وسبب لحياتي، لم أكن مرتاحًا لسببٍ ما في فترة الراحة الإضافية التي منحها لي”.

وتابع: “أحد عشر جنديًا من أعضاء فرقتنا نهضوا مع القائد، بينهم الممرض (نيسيم) وتقدموا إلى خلف المباني التي تحيط بالمبنى المركزي في بيت الجمرك، حيث وجدوا خندقًا سوريًا مليئًا بالأسلحة والجثث، في هذه الأثناء انتهيت من تناول الفطور، وغسلت الأواني وحملت أمتعتي وحقيبتي على ظهري، للتقدم إلى هناك أنا والمجموعة الثانية من فرقتي. فجأة ارتعدت الأرض واهتزت بقوة كبيرة جدًا، أصوات انفجارات رهيبة ومخيفة، وغيوم ضخمة من الدخان والغبار، وانهالت علينا من السماء أمطار من الأحجار السوداء، وبعد تراجع الغيم والغبار وقفت مذعورًا وخائفًا، شعرت أن بعض الأمطار التي تتساقط علينا هي قطع من خوذات، وبعض بقايا الأحزمة التي لبسها جنودنا وصلت إلينا حارة جدًا وما تزال مشتعلة، وبقايا أسلحة وبقايا أجساد هبطت فوقنا من السماء، ولم أكن بحاجة إلى معرفة ما يحدث، أدركت أن كارثةً قد حلت برفاقي الجنود”.

وأضاف: “بعد خروجنا من صدمة الانفجار، وتبادل المشاورات بين قادة الموقع الميدانيين، تقرر إخلاؤنا من الموقع، وإعادتنا إلى غرفة الأواني في المبنى، ارتميت خائفًا ومصعوقًا في إحدى الزوايا، وكان وضع شريكي (إريه كوهين) مشابهًا لوضعي، وصرخ بهستيرية (لا يمكن أن يحدث هذا!)، وبعد عدة ساعات، تفاجأت بوجود صديق طفولتي المجند قبلي في الجيش، إذ تقدم نحوي وعانقني بقوة، وسألته هل سمعت بالحادث، أجاب نعم، لقد جاء إلى المبنى ليتأكد إن كنت حيًا أم ميتًا”.

وأضاف: “صُور الحادث المروع ما تزال تلاحقني حتى اليوم.. المسؤولون عنا لم يتحدثوا في هذا الموضوع على الإطلاق، ولم يسألنا أحد عن الحادث أو هل كنا نرغب في المشاركة في جنازات رفاقنا أم لا؟ وبعد أسبوع واحد من الحادث، سمحوا لنا بالإجازات، لكن قيادة الجيش أصدرت أمرًا عسكريًا صريحًا بمنع الحديث عن الحادث مهما كان السبب، الأمر المهم لنا أننا خرجنا أحياء من هناك، هكذا قالوا لنا، وفي أثناء عودتي إلى البيت كنت أفكر طوال الطريق، هل أخبر أهلي وأصدقائي بأمر الحادث، أم لا داعي لبث الخوف في صدورهم؟ لكني في النهاية حسمت أمري، خوفًا على سلامة والدتي التي ستنهار عصبيًا إن علمت بالحادث، وقررت أن أدفن هذا السر داخلي، وحين عدت إلى كتيبتي في القنيطرة، بعد إجازة قصيرة جدًا، كان الكلام عن الحادث قد اختفى تمامًا، لم يتحدث أحد عن الموضوع، وإن كان بإشارة صغيرة، لم نعلم من عاش ومن مات من رفاقنا، وظل هذا الموضوع غامضًا حتى انتهاء الخدمة الإلزامية في الجيش وقد دامت ثلاث سنوات، وبعد الخدمة، تفرغت لأموري الشخصية وأمور التعليم، وغاب عن ذهني تمامًا كل ما يخص موضوع الحادث”.

وأردف: “بعد سنوات طويلة، عدت لأول مرة إلى مرتفعات الجولان كمواطن، وزرت النصب التذكاري للجنود الإسرائيليين الذي سقطوا في معركة تل الفخار الشرسة مع القوات السورية، هناك صُعقت حين قرأت أن أسماء الجنود من قتلى حادث بيت الجمرك منقوشة على اللوحة، كقتلى إسرائيليين في معركة تل الفخار، ومع أن الحقيقة ليست كذلك على الإطلاق، فإنني شعرت بارتياح أن أسماءهم قد خُلّدت في مكان ما، والسؤال الذي ما يزال يلاحقني، لماذا نكذب ونخفي الحقيقية؟ الجيش الإسرائيلي الذي انتصر على ثلاث جبهات، واحتل شبه جزيرة سيناء والضفة الغربية والهضبة السورية بستة أيام، لم يستطع حتى الآن مواجهة الكارثة التي حلت في الخامس عشر من حزيران، أخفى كل شيء عن الجمهور وعن عائلات الضحايا، ولم يجد الطريقة الصحيحة لتخليد ذكراهم، أما الصحافة ووسائل الإعلام فلم تكتب كلمة واحدة عن الحادث، وقلائل جدًا هم الذين يعرفون ما جرى هناك؟ لجنة التحقيق التي شُكلت لم تنشر نتائجها قط، ولم يواسِ أحد من قادتنا أعضاء الفرقة 13 من لواء غولاني، على ما أصابها، فضلًا عن أهالي الضحايا، ولم تؤسس أي جمعية أو لجنة لمساعدتهم. أنا كنت هنا في بيت الجمرك قريبًا جدًا من الموت، لكنني نجوت، لا أعرف كيف ولماذا؟”.

عن astarr net

شاهد أيضاً

f6d249826d0f3f37be58db2c3d278460

بعد 45 عاماً على تدميرها… النظام يقرر إعمار القنيطرة

بعد 45 عاماً على تدميرها… النظام يقرر إعمار القنيطرة الشرق الأوسط فوجئ السوريون بإعلان الحكومة …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: النسخ ممنوع !!