الأحد , نوفمبر 17 2019
الرئيسية / مقالات الرأي / هل غيّر حزب البعث التاريخ أم الجغرافيا؟
bathh

هل غيّر حزب البعث التاريخ أم الجغرافيا؟

هل غيّر حزب البعث التاريخ أم الجغرافيا؟

أنور بدر/بروكار برس

2019/09/08

في 14 آذار من عام 1970، نقلت الصحافة اللبنانية عن المحقق الأول في بيروت الأستاذ نقولا رزق، أن الكاتب اللبناني زهير الشلق، والذي يحمل الجنسية السورية أيضا، موجود الآن في عاصمة دولة عربية، حيث يخضع لتحقيقات أمنية هناك، دون أي إشارة إلى أن الرجل اختطف من لبنان، من قبل عناصر الأمن السوري، ونقل إلى دمشق، ليمضي عشر سنوات في سجن المزة العسكري، في المهجع رقم 3 علوّي، كما يذكر سجناء تلك المرحلة.

جريمة الشلق أنه كتب في إحدى الصحف اللبنانية عبارة أن “حزب البعث في سوريا جاء ليغيّر التاريخ، فغيّر الجغرافيا”، كتب ذلك في سياق حديثه عن احتلال إسرائيل للجولان السوري خلال هزيمة حزيران 1967، وكان حافظ أسد آنذاك وزيراً للدفاع، ويستعد لانقلابه القادم بعد أشهر، باسم الحركة التصحيحية.

لذل كان مؤلما له ولنظام البعث في دمشق أي تشكيك به، فَحُكم على الكاتب والصحفي زهير الشلق بعشر سنوات سجن، مقابل عشر كلمات اعتبرت مسيئة لشخص حافظ أسد، وربما يحفزنا ذلك على استعادة سؤال الشلق: لماذا لم يغير حزب البعث التاريخ؟

أعتقد أن البعث لم يفشل في تغيير التاريخ، بل للدقة هو غيّر التاريخ في سوريا والمنطقة، لكنّ منحى التغيير كان بعكس أهدافه المعلنة في شعار “وحدة حرية اشتراكية”، فإذا راجعنا تجربة البعث في البلدين اللذين حكمهما بشكل متزامن ولعدة عقود، وأقصد سوريا والعراق، نكتشف أن حزب البعث ساهم بوأد كل مشاريع التوحيد الثنائية والثلاثية وسواها، ويتذكر كل السوريين اللذين حصلوا على جواز سفر في تلك المرحلة، ذلك الختم على الصفحة الأخيرة منه، بأن “هذه الوثيقة تخوّل حاملها السفر إلى كل بلدان العالم ما عدا العراق وإسرائيل”!

لم تفشل أنظمة البعث بصنع الوحدة فقط، بل هي ساهمت بتدمير بلدانها وتفتيت وحدتها الجغرافية والبشرية، وربما يكون هذا الأخطر بالمعنى التاريخي والإنساني، فبدل أن يكونوا شعبا، أصبحوا قبائل وعشائر وطوائف وإثنيات متحاربة ومتصارعة.

أما الجماهير التي خدعت بشعارات العدالة الاجتماعية وبناء نظام اشتراكي، فقد صَحتْ متأخرة على حقيقة أن هذه الأنظمة قد باعت وبأرخص الأثمان، ليس مقدرات بلدانها فقط، بل ومستقبل شعوبها أيضاً، وضحّت في سبيل مصالحها الخاصة بكل مشاريع التنمية الاقتصادية والبشرية، مكتفية باقتصاد ريعيّ يمكنها من نهب ثروات البلد ودفع رواتب حاشيتها وجيوشها أو ميليشياتها الأمنية التي قاتلت من أجل استمرارية هذه السلطة، خارج أي انتماء أو مشروع وطني أو قومي.

قطعاً، الإشكالية ليست في الشعارات التي رُفعت، بقدر ماهي في بنية الأيديولوجيا الشمولية، التي سمحت لهذه الأنظمة أن تحتكر السلطة كل تلك العقود، وتلغي المسار الديمقراطي لتداول الحكم، عبر قرارات تنفيذية ساهمت في المحصلة بتدمير بلدانها وقمع شعوبها، وهذه أزمة كل الأيديولوجيات الشمولية، إذ لم تكن مسيرة الأحزاب الشيوعية أو الإسلامية في العالم والمنطقة بأفضل حالا من حزب البعث، بل ربما تكون تجربة الاخوان المسلمين في السودان تحت عباءة عمر البشير هي الأردأ بكل المعاني.

غياب المشروع الوطني أو الديمقراطي من أفق هذه الأنظمة الشمولية وتفكيرها، يفسر حجم وطبيعة العنف الذي واجهت من خلاله تلك الأنظمة المستبدة شعوبها التي خرجت تطالب بالحرية والديمقراطية، تطالب بالكرامة وحقوق المواطنة، فيما عرف بثورات الربيع العربي، التي لم تزهر حتى الآن كما حلم بها شابات وشباب الثورة، الذين سحقتهم آلة العنف وصمتْ المجتمع الدولي، خلال السنوات العجاف الثماني التي انقضت على مطالبتهم برحيل النظام.

 

ومع إصرار بعض المحللين بأن النظام انتصر أخيرا في معركته العسكرية ضد السوريين، وفي هذا وجه من الحقيقة، يقيس تاريخ الشعوب بالراهن والآني، ونتائج المعارك العسكرية، أو ميزان القوى التفاوضية، متجاهلا أن ثورات الشعوب ليست عملية انقلابية تهدف لاستلام السلطة فقط، ولا تقاس بالتحولات الكمية والآنية.

 

فالشعوب التي استفاقت من سباتها المزمن، واستعادت حضورها في حقل السياسة، ليس بمعنى الانتماء التنظيمي الأعمى أو القسري لحزب السلطة الواحد أو الأحزاب الموالية له في ديكور تعدديتها المزيفة، بل بمعنى استعادتها القدرة على التفكير الحرّ والتناقض والخلاف، بعيدا عن رُهاب الاستبداد الذي حاول أن ينتج أجيالاً عقيمة بالمعنى الفكري والسياسي والثقافي، هذه الشعوب ونُخبها الشبابية الواعية التي خرجت تطالب بشإسقاط النظام، كشفت الغطاء عن عفن تلك الأنظمة التي حكمت بلدانها وشعوبها وفق أيديولوجيات شمولية، كانت بطبيعتها أنظمة ديكتاتورية مستبدة، ضحّت بحقوق الأفراد والمكونات داخل مجتمعاتها، كما ضحّت بحقوق الإنسان والديمقراطية على مذبح الأيديولوجيا، فلم تنتج إلا أنظمة الاستبداد والفساد.

 

على ذلك فإن الجماهير التي دخلت لأول مرة حقل السياسة والفعّالية التاريخية، اجترحت الخطوة الأولى في مسيرة التغيير الديمقراطي، والتي لن تتوقف مهما طالت المدة، ولن تعود إلى حظيرة الاستبداد ثانية، مهما طال بقاء الأسد الصغير، فهو يبقى بقوة الخارج، الذي يبقيه كفزاعة لحماية مصالحه، فيما هو سقط أخلاقيا وسياسيا مع أول رصاصة أطلقها حماة الأسد على أول طفل سوري، كتب على جدران مدرسته “الشعب يريد إسقاط النظام”.

عن astarr net

شاهد أيضاً

natanyahoo

الأرنب الأخير في صندوق نتنياهو: ضم الغور وشمال البحر الميت

الأرنب الأخير في صندوق نتنياهو: ضم الغور وشمال البحر الميت   عشتار نيوز / اسرائيليات …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: النسخ ممنوع !!