الإثنين , ديسمبر 16 2019
الرئيسية / ملفات الارشيف / احصائيات جولانية / أَدِيْب الشِّيْشَكْلِي يُصْفَعُ ويُلْقَى أَرْضًا في الوَحْلِ في سَاحَةِ يِرْكا
soltan-knj0022

أَدِيْب الشِّيْشَكْلِي يُصْفَعُ ويُلْقَى أَرْضًا في الوَحْلِ في سَاحَةِ يِرْكا

 

 شهداء الجولان السوري في معركة فلسطين عام 1948

عشتار نيوز للاعلام/ شهداء الجولان/ اعداد ايمن ابو جبل 

في حرب عام 1948 من اجل انقاذ فلسطين والحفظ عليها عربية، شارك في جيش الانقاذ عدد كبير من الجنود والضباط العرب السوريين واللبنانيين والفلسطينيين، ضمن كتائب وفرق جيش الإنقاذ ، واستشهد العشرات منهم في المعارك التي نشبت في منطقة الجليل بينهم وبين القوات الصهيونية، ومن ابرز الفرق العسكرية التي  شارك بها أبناء الجولان ضمن  جيش الإنقاذ. الكتيبة الدرزية التي  كانت تضم حوالي2755 متطوعا من سوريا ولبنان  وفلسطين.

 وكانت مُقسمة إلى فرقتين :

الاولى بقيادة شكيب وهاب.

 والثانية بقيادة سلطان كنج ابو صالح من مجدل شمس.

 وشاركت الكتيبة في العديد من المعارك  ابرزها :

معركة الهوشة والكساير التي سقط فيها أكثر من 100 مجاهد بينهم الشهيد محمد محمود ابن قرية مجدل شمس الذي سقط في 15-4-1948 .

الهوشه والكساير قريتان صغيرتان مجاورتان, في الجليل الأدنى وقريبتان من . كان سكانهما من الجزائريين الذين تبعوا زعيمهم عبد القادر الجزائري عندما لاحقهُ الفرنسيون ليصل الى فلسطين. وكانت الهوشه والكساير قاعده للمناضلين الفلسطينيين عام النكبة.

soltan-knj0044

دارت آنذاك من حولها معارك بينهم وبين “الهاجانا”. ورّوت التسجيلات الشفوية للعرب عن ما دار في المعركه كما روى وكتب يهود مستوطنة “رمات يوحنان”. منذ وصول فوج “جبل العرب” الى المنطقه لم تُنفذ أي عمليه عسكرية.

وفي الثاني عشر من نيسان 1948 وصلت قائد الفوج المذكور وهو شكيب وهاب طلبات العون من قائد جيش الإنقاذ نفسه فوزي القاوقجي للقيام بأي عمل يُشغل اليهود عن معركة “مشمار هعيمق” (1)وكتب النص التالي لشكيب وهاب :

” الى أبناء بني معروف المحترمين , انني في ضائقة وأتوسل اليكم لمساعدتي وإلا لا تكون شكواي الا لله تعالى ..”. في السادس عشر من نيسان احتل اليهود هوشة والكساير وكبدوا الخسائر لفوج “جبل العرب” مما سبب تراجع في أفكار الزعماء من حيث استمرارية القتال وهنا بدأ زعماء اليهود المُقربون للعرب بمحاولة الاجتماع مع قادة الفوج من ضباط ومع من لهم التأثير المرجو , وتحت شجرة البطم الكبيره في هوشه تم اللقاء ومنه الى “رمات يوحنان” لإتمام المحادثات التي اشترك فيها موسى ديان الذي أجاب على تردد أحد قادة فوج “جبل العرب” كالتالي : يعتبر كتاب المحامي الفلسطيني المناضل سعيد نفاع الذي يعرض نضال الدروز في فلسطين حتى النكبة (العرب الدروز والحركة الوطنية الفلسطينية حتى الـ ٤٨، الدار التقدمية، المختارة، الطبعة الثالثة، 2010)، مرجع قيم لا يمكن اغفاله، وقد عرض الكاتب لدور الدروز ونضالهم  ضد الحركة الصهيونية ومنظماتها الارهابية  بما في ذلك مواقفهم وتنظيماتهم ومعاركهم في فلسطين، مستندا في ذلك على عدد من المراجع والمصادر العربية واليهودية القيمة، ووثائق شخصية وتقارير رسمية  ومذكرات القادة العسكريين، ناهيك عن ارشيف منظمة الهاغانا في تل ابيب والارشيف الصهيوني المركزي. فنسج بذلك دراسة علمية منهجية اظهرت العديد من الوقائع والحقائق المخفية.

ومن بين تلك المعارك والمواجهات التي تناولها الكاتب، استوقفتني معركة خاضتها كتيبة درزية مجاهدة مقدامة ادت وباعتراف المصادر اليهودية الى كسر الهاغانا بعد عدد من المواجهات الشرسة.

كان جيش الانقاذ العربي بقيادة فوزي القاوقجي احد الجيوش التي قاتلت في فلسطين، وقد ضم نحو ثلاثة آلاف مقاتل من بينهم كتيبة درزية مؤلفة من 500 مقاتل بقيادة شكيب وهاب. وفي احدى المعارك طلب القاوقجي النجدة وارسل الى شكيب وهاب البرقية التالية: “الى بني معروف المحترمين، انني اتوجه اليكم، اننا بضيقة،اذا لم تهبو لنجدتنا فشكواي الى الله، فوزي القاوقجي”.  لبت الكتيبة الدرزية نداء الاستغاثة وخاضت اولى معاركها ضد الهاغانا على خط كفارآتا- رمات يوحنان (هوشة والكساير) وانتصرت فيها متكبدة 29 شهيدا و37 جريحا.

وقد وصفت صحيفة بردى الدمشقية تلك المعركة كما يلي:

“ظهر في هجوم الكتائب الدرزية شجاعة بني معروف المأثورة وشدة بأسهم، مما جعل اليهود في حالة فظيعة من الاضطراب، وقد استطاع أبناء معروف ان ينزلو ضرباتهم الشديدة بالمستعمرات القريبة من حيفا، والتى طوقها الفوج، فأستنجدت بطائرتين اسقطت احداهما…”.

لكن العدو اعاد تنظيم قواته بعد ان وصلته تعزيزات عسكرية، فيما عانت الكتيبة من نقص في الامداد، فشن هجوما ليليا وتمكن من محاصرة قوات وهاب بعد السيطرة على عدد من التلال الاستراتيجية. فطلب وهاب المساعدة من كتيبة درزية اخرى بقيادة النقيب في الجيش اللبناني مفيد غصن الذي هب لنجدته ومعه العشرات من المجاهدين من سوريا  وقرى الجليل وعلى الفور دارت معركة من اشرس المعارك استعمل فيها السلاح الابيض وافضت الى كسر الهاغانا والسيطرة على هوشة والكساير والتلال المجاورة.

واترك  هنا وصف هذه المعركة لتقرير لمنظمة الهاغانا وقد جاء فيه:

“بدأت المعركة بين جنود الكتيبة الدرزية وقوات الهجانه باعمال قنص ؛ فبعد ان قنص حارس رمات يوحنان حارسا درزيا ليل 12/4/1948 هاجمت كتيبة مدرعة الجنود الدروز المرابطين في هوشة والكساير، وانضمت للكتيبة سريتان من كتائب المشاة. وقد هجم الدروز في 16 من الشهر 9 مرات، وبغضب شديد، تحملت السرية من المشاة المرابطة في هوشة الضربة القوية. هاجم الدروز وبوحشية وبجرأة، وفي فرق عسكرية مدربة، وفي بعض الحالات وصلوا حتى البيوت، تكبد العدو الدرزي 130 قتيلا و 150 جريحا”.

ويضيف التقرير ان الدروز تمكنوا من تدمير جسرين بعد عملية كوماندوس خلف خطوط العدو، ليعودوا ويشتبكوا “على شكل التحام قريب  والحراب  التي تتقدمهم كانت تلمع تحت ضوء الشمس… وتمكنوا من من الانتصار على الرغم من الخسائر الفادحة التى كانت من نصيبهم، اما قوات الهاغانا فقد اضطرت للانسحاب مع خسائرها”.

يتبين لنا من وراء هذا التقرير وبشكل لا يقبل الشك انتصار الكتيبة وانكسار “الهاغانا”، لكن اوامر اتت فيما بعد طالبة من جيش الانقاذ بما في ذلك السرايا الدرزية المقاتلة الانسحاب من مواقعها لتسيطر قوات العدو على قرى عدة، وهناك الكثير من الشكوك تحوم حول قرار الانسحاب هذا، فالبعض ردها الى عدم وجود تنسيق بين الجيوش المقاتلة، وآخر الى فعل خيانة. “سأُسامحكم لقتل أخي في المعركه .. ما دمتم مستعدين لعقد الاتفاق معنا ….”

ومعركة مشمار هيردين، التي حاربت فيها وحدات قتالية من فوج القادسية بقيادة الضابط الملازم فايز حديفة ويعاونه الرقيب نوفل الحجلة والرقيب يوسف قرقوط. معركة مشمار هياردين، جعلت القاوقجي يطلق تصريحاً مفاده: «بنو معروف هم أكبر ركن للعرب والعروبة».

ومعركة اللطرون، ومعركة المالكية التي كانت تحت أمرة فيلق أديب الشيشكلي قائد جبهة الجليل.حيث كان فيها مفرزة عسكرية من مجدل شمس بقيادة المرحوم سلطان كنج ابو صالح.

معارك الجليل الأوسط التي كانت تحت مسؤولية لواء اليرموك بقيادة المقدم محمد صفا، ومعركة يانوح التي اسقط فيها أهالي يانوح ومقاتلي الكتيبة الدرزية أكثر من 14 جنديا اسرائيا..

وكان  لابناء الجولان السوري نصيبهم  وحصتهم في معركة الدفاع عن فلسطين، شارك فيه  كامل النسيج الوطني والقومي والاجتماعي السوري في الجولان.

وفيما يلي قائمة بعدد من شهداء الجولان في معركة الدفاع عن فلسطين عام 1948

  1. الشهيد فهد  محمود  من مجدل شمس  استشهد في 15-4-1948  في معركة هوشة والكساير..
  2. عبد القادر يعقوب من القنيطرة – استشهد يوم 10/07/1948 في مشمار هايردن
  3. سليمان نيازي حيدر من القنيطرة – استشهد يوم 10/07/1948 في مشمار هايردن
  4. ميرازا عثمان من القنيطرة –استشهد يوم 10/07/1948 في مشمار هايردن
  5. قاسم إدريس من القنيطرة –استشهد يوم 16/07/1948 في بستان الخوري
  6. فوزي حسين من القنيطرة – استشهد يوم 10/07/1948 في كعوش
  7. عبد العزيز دغوط من القنيطرة – استشهد يوم 19/05/1948 في تل جسر بنات يعقوب
  8. محمد آغا من القنيطرة – استشهد يوم 11/11/1948 في مشمار هايردن
  9. علي قودي بردوقة من القنيطرة – استشهد يوم 10/07/1948 في بستان الخوري
  10. نسيم أبو بكر من القنيطرة – استشهد يوم 16/07/1948 في تل العزيزات
  11. محمد أمين إبراهيم من القنيطرة – استشهد يوم 10/07/1948 في مشمار هايردن
  12. موسى كاظم شمس الدين من القنيطرة – استشهد يوم 19/06/1948 في تل العزيزات
  13. سعدو سعيد زغلول من جباتا الزيت – استشهد يوم 20/05/1948 في كعوش خان
  14. محمد شريف توفيق من المنصورة – استشهد يوم 20/05/1948 في تل العزيزات
  15. عبد الحميد عبد المجيد من البريقة – استشهد يوم 10/07/1948 في مشمار هايردن
  16. محمد زكي جانو من القنيطرة – استشهد يوم 20/05/1948 في ديكا نيا /أ
  17. محمد سعيد إبراهيم من البريقة – استشهد يوم 18/07/1948 في تل العزيزات
  18. خالد جعفر من الخشنية – استشهد يوم 10/07/1948 في كعوش
  19. شعبان يوسف من الخشنية – استشهد يوم 18/05/1948 في سمخ
  20. فؤاد صالح من عين زيوان – استشهد يوم 16/07/1948 في تل العزيزات
  21. عز الدين إسماعيل من الجويزة – استشهد يوم 20/05/1948 في ديديغانيا /أ
  22. محمد شهاب من الدلوة – استشهد يوم 19/07/1948 في تل العزيزات
  23. خير الدين حاج باكير من الخشنية – استشهد يوم 19/07/1948 في تل العزيزات
  24. شفيق شاكر جبارة من جباتا الزيت – استشهد يوم 19/07/1948 في تل العزيزات
  25. عدنان توفيق من المنصورة – استشهد يوم 16/07/1948 في بستان الخوري
  26. رشيد عمر من الخشنية – استشهد يوم 10/07/1948 في مشمار هايردن
  27. علي حسين الشيخ من جباتا الزيت – استشهد يوم 19/07/1948 في تل العزيزات
  28. حسن حسين الشنيور من المعلقة – استشهد يوم 16/07/1948 في تل العزيزات..

وليد الخالدي وآخرون، كي لا ننسى: قرى فلسطين التي دمرتها إسرائيل سنة 1948 وأسماء شهدائها، ترجمة حسني زينة، بيروت: مؤسسة الدراسات الفلسطينية

وللوقوف على تفاصيل هذه المرحلة نورد حرفيا ما جاء في أرشيف البروفيسور علي صغيَّر من قرية يركا مشكورا على جهده الثمين:

أَدِيْب الشِّيْشَكْلِي يُصْفَعُ ويُلْقَى أَرْضًا في الوَحْلِ في سَاحَةِ يِرْكا

من أَرشيف البروفيسور علي صغيَّر

ما نُريدُ أَنْ نتحدَّثُ عنهَ وقعَ في أَحدِ أَيَّامِ شهرِ أَيَّار عام 1948، ولكنَّنا لا ندرِي بِالضَّبطِ في أَيَّ يومٍ أَيَّامِ ذلكَ الشَّهرِ كانَ ذلك. بعضُ أَلأُمُورِ التي سوفَ نرويها سمعناها مِنَ خمسةِ أَشخاصٍ، ثلاثةٌ مِنهُم مِنْ يِرْكا واثنانِ مِن بلدةِ مجدلِ شمس بجبلِ الشَّيخِ،

 أَلأَشخاصُ مِن يِرْكا هُمُ المَرحُوْمُونَ المشايخُ مرزوق سْعِيد معدِّي وجبر داهش معدِّي والأُستاذُ سليمان علي معدِّي، نجلُ الشَّيخِ علي ملحم معدِّي، الذي كانَ يُعْرَفُ عندنا في يِرْكا، وعندَ كُلِّ مَنْ عَرَفَهُ، باسمِ “الخَال”، هؤلاءِ الرِّجالُ الثَّلاثةُ كانُوا شُهُودَ عِيَانٍ لِمَا نُريدُ نقُصَّهُ.

 والشَّخصانِ مِنْ بلدةِ مجدلِ شمس هُما المرحُومُ الشَّيخُ مَزْيَد فارس أَبو صالح، الذي كانَ خلالَ حربِ عام 1948، أَحدِ جُنُودِ الفرقةِ العسكريَّةِ التي كانتْ تُعرَفُ بالاسمِ “مَفْرَزَةُ مجدلِ شمس″، أَو “فرقةُ الجُولانِ وإِقليمِ البِلاَّن”، وحينَ حصلتِ الحادثةُ التي نُريدُ أَن نرويها كانَ مَعَ فرقتِهِ العسكريَّةِ مُتَوَاجِدًا في يِرْكا، وكانَ هو الآخرُ، شاهدَ عِيَانٍ على تلكَ الحادثةِ،

 والشَّخصُ الخامسُ هو الأُستاذُ صَقْر أَبو صالح، وهو إِبنُ أَخِ المرحُومِ الشَّيخِ أَبي طلال سُلطان كَنْج أَبي صالح (1924-1987)، الذي كانَ رئيسَ الفرقةِ العسكريَّةُ التي ذَكَرْناها، وهو الذي صَفَعَ الشِّيْشَكْلِي وأَلقاهُ في الوَحْلِ في ساحةِ يِرْكا، كما سَوْفَ نَرَى فيما يلي.

soltan-knj

المرحوم سلطان كنج ابو صالح

ومِنْ بينِ الجُنُودِ الدُّرُوزِ الذينَ كانُوا ينتَمُونَ إِلى تلكَ الفرقةِ العسكريَّةِ السُّوريَّةِ،  نذكُرُ المرحُومِيْنَ المشايخَ فارس مَشْعَل أَبو صالح وعلي حسين أَبو صالح وتوفيق أَبو صالح وجميل رَبَاح، وكُلُّ هؤلاءِ مِنْ بلدةِ مجدل شمس، وتوفيق عْمَاشَة مِن بُقْعَاثَا، وعِماد العماد، مِن قريةِ بْقَعْسَم بِإِقليمِ البِلاَّن، وفارس الطَّويل مِن قريةِ حَضَر بِإِقليمِ البِلاَّن أَيضا.

soltan-knj0022

المرحُومُ  فهد محمود مِنْ مجدل شمس كانَ ينتَمِي هو الآخرُ إِلى تلكُ الفرقةِ العسكريَّةِ، ولكنَّهُ اسْتَشْهِدَ في معركةِ الهُوشَة والكَسَايِر (12-16.4.1948)، قَبْلَ قُدُومِ الشِّيْشَكْلِي إِلى يِرْكا، أَي قَبْلَ حادثةِ صَفْعِ الشِّيْشَكْلِي بِعددٍ مِنَ الأَيَّامِ.

 الفرقةُ العسكريَّةُ التي كانَ يَتَرَأَّسُهَا الشَّيخُ أَبو طلال سُلطان كَنْج أَبو صالح كانتْ واحدةً مِنَ فرقَتَيْنِ عسكريَّتَيْنِ تَرَأَّسَهُما المرحُومُ الرَّائِدُ شكيب وهَّاب مِن لُبنان، الفرقةُ الثَّانيةُ كانتِ الفرقةَ التي كانتْ تُعْرَفُ بالاسمِ “فَوْجُ جبلِ العرب”.

وكانَ   الرَّائِدُ شكيب وهَّاب قد اتَّخَذَ مِن منطقةِ شفاعمرُو مَرْكِزًا لقُوَّاتِهٍ خلالَ تلكَ الحرب. هذِهِ الفِرَقُ، أَوِ المَفَارِزُ، كانتْ تَتْبَعُ لِلِواءِ اليَرْمُوكِ الثَّاني الذي كانَ رئيسُهُ المُقَدَّمُ أَديبُ الشِّيْشَكْلِي، وهذا الِّلِواءُ كانَ أَحدَ الأَلويةِ العسكريَّةِ التي منها كانَ يتكوَّنُ “جيش الإِنقاذ” الذي ترأَّسَ قيادَتَهُ العُليا العامَّةَ فوزي القَاوُقْجِي. وكانَ الشِّيْشَكْلِي قد دَخلَ إِلى البلادِ في مَطْلَعِ شهرِ كانُونٍ الثَّاني مِن نفسِ العامِ، وكانَ معَهُ جُنُودٌ دُرُوزٌ كثيرونَ مِن سُوريا.

soltan-knj0055

حدَّثني المرحُومُ الشَّيخُ مَزْيَد فارس أَبو صالح قائِلاً:

“مُنذُ البدايةِ اكتَشَفْنَا النَّزْعَةَ الاستِبدادِيَّةَ عندَ الشِّيْشَكْلِي، ومُنذُ البدايةِ أيضا شَعَرْنَا أَنَّهُ لا يحُبُّنا، ولكنَّ هذا الأَمرَ الأَخيرَ لم يكُنْ يهُمُّنا في قليلٍ أَو كثيرٍ، لأَنَّنا لم نقدِمْ إِلى فلسطينَ مِنْ أَجلِ أَن نحظَى بحُبِّ الشِّيْشَكْلِي، وكانَ فظًّا ولئيمًا مَعَنا، وبالنِّسبةِ لنا هذِهِ المسأَلةُ كانتْ أَمرًا مُختلِفًا تمامًا، فنحنُ لم نكُنْ لِنَسْمَحَ للشِّيْشَكْلِي، وَلا لِأَيٍّ كانَ أَنْ يظلُمَنا أَو أَن يحتقِرَنا، فقرَّرْنا أَنْ نذهبَ إِلى يِرْكا، وذهبْنا إِلى هناكَ، ودخلنا إِلى منزلِ “الخال”، وكانَ عندَهُ حينَما دَخَلْنا عددٌ مِنْ أَعِيَانٍ يِرْكا، وشَرَحْنا لهُم طبيعةَ علاقتِنا مَعَ الشِّيْشَكْلِي، وتَشَاوَرْنا مَعَ بعضٍ فيما يجبُ أَن نفعلَ، وكيفَ ينبغِي أَن نتصرَّفَ، فأَكَّدَ لنا الحاضِرونَ أَنَّ سكَّانَ يِرْكا يقفونَ إِلى جانِبِنَا وَأَنَّهُم مُستعدُّونَ أَن يُعاقِبُوا الشِّيْشَكْلِي على ما صَدَرَ منهُ بِحقِّنا، مَهْمَا كَلَّفَ الأَمرُ، ولكنَّهُم يُفَضِّلُونَ أَن نُعاقِبَهُ نحنُ بأَنفسِنا، لِئَلاَّ يُفُسَّرَ ذلك وكأَنَّنَا ضُعَفَاءُ وعاجِزُونَ عن مُعاقَبَتِهِ، فاتَّفقنا أَن نُهِينَهُ إِذا حاولَ أَن يُسِيءَ الأَدبَ مَعَنا مرَّةً أُخرى، وبعدَ انتِهاءِ الحديثِ خَصَّصُوا لنا الغُرفةً العُليا التَّابعةَ لِلمرحُومِ الشَّيخِ كامِل معدِّي، والموجُودةَ فوقَ بيتِهِ، مِن أَجلِ الإِقامةِ بِها”. الغُرفة التي حَلَّ بها هؤلاءِ الجُنُودِ لا تزالُ قائِمَةً حتَّى اليوم، قُرْبَ الطَّرَفِ الجنوبيِّ لِساحةِ القريةِ، تلكَ السَّاحةُ التي يُطْلِقُ عليْها سكَّانُ يِرْكا إِسمَ “الحَارَة”.

قبلَ قُدُومِ الشِّيْشَكْلِي إِلى يِرْكا بِمُدَّةٍ وجيزةٍ، وبعدَ انتهاءِ معركةِ الهُوشَه والكَسَايِر، وبعدَ انسحابِ القُوَّاتِ العربيَّةِ مِنَ جبهةِ القتالِ هناكَ، كانتْ قد حصلتْ مشادَّةٌ كلامِيَّةٌ قاسيةٌ بينَهُ وبينَ المرحُومِ شكيب وَهَّاب، وكانَ ذلكَ خلالَ لقاءٍ بينَهُما في منزلِ المرحُوم جبُّور جبُّور في شفاعمرُو، وكانَ مَعَ الشِّيْشَكْلِي خلالَ ذلكَ الِّلقاءِ اثنانِ مِنْ أَصدِقائِهِ وَمِنْ كِبارِ ضُبَّاطِ الجيشِ السُّوريِّ، أَصْبَحَ لَهُما فيما بعدُ، مِثلِ الشِّيْشَكْلِي نفسِهِ، دَوْرٌ كبيرٌ في تاريخِ سُوريا، هُمَا خليلٌ الكَلاَّسُ وأَكْرَمُ الحُورَانِيُّ،

ولكنْ حينَما أَصبحَ الشِّيْشَكْلِي رئِيسَ الجُمهُوريَّةِ السَّوريَّةِ، تَبَيَّنَ لِلْحُورانيِّ أَنَّ صداقَتَهُ مَعَ الشِّيْشَكْلِي لا تفيدُهُ بشيءٍ، ولا تقيْهِ مِنْ شَرِّهِ، فَهَرَبَ مَعَ مِيْشِيْل عَفْلَق وصلاحِ الدِّيْنِ البيطار إِلى لُبنانَ، خوفًا مِنْ بَطْشِهِ وغَدْرِهِ. وقدِ اتُّهِمَ هَذانِ الرَّجُلانِ فيما بعدُ، مَعَ شخصيَّاتٍ سُوريَّةٍ أُخرى، مِنْ قِبَلِ بعضِ السُّوريِّيْنَ وأَيضا مِنْ قِبَلِ الحُكُومةِ المِصريَّةِ في حينِهِ، بالاشتراكِ في الانقلابِ العسكريِّ الذي أَدَّى إِلى انهِيَارِ الوحدةِ المِصرِيَّةِ – السُّوريَّةِ، بتاريخِ 8.3.1963، مُقابلَ الحُصُولِ على الرَّشْوَةِ.

خلالَ ذلكَ الِّلقاءِ حَمَّلَ الشِّيْشَكْلِي شكيب وهَّاب مسؤوليَّةَ الخسارةِ في تلكَ المعركةِ، مَعَ أَنَّ الشِّيْشَكْلِي كانَ يعلمُ جيِّدًا أَنَّ جُنُودَ شكيب وَهَّاب استبسَلُوا في القتالِ، وأَنَّ كثيرينَ منهُم قُتِلُوا هناكَ، ونحنُ نذكُرُ مِن بينِهِم بِهذِهِ المُناسبةِ المرحُومِيْنَ أحمد اليُوسف وفَضْلَ لويِس وجميلَ الصَّادِق ومَرْعِي جَميلة وابنَهُ يُوسف ويُوسف شَعْبان وسليمان أَبو رَعد وصالح  شُوفانِيّة مِنْ شفاعمرُو، وفهد محمود مِن مجدل شمس، وسلمان رَزْمَك قويقِس (أَبو رَزْمَك) مِن يِرْكا، وحمد حمُّود من بيت جنّ،

وفي تلكَ المعركةِ فَقَدَ المرحُومُ سلمان شحادة من الرَّامَةِ، وهو خالُ الشَّاعرِ سميحِ القاسمِ، إِحْدَى عَيْنَيْهِ. وقدِ اعتبرَ شكيب وهَّاب ومَنْ كانَ مَعَهُ مِن جُنُودٍ هذِهَ التُّهمةَ استفزازًا صارِخًا، فما كانَ مِن كمال وهَّاب، نجلِ شكيب وهَّاب، وكانَ هو الآخرُ جُنديًّا يقاتِلُ مَعَ والِدِهِ في جيشِ الإِنقاذِ، إِلاَّ وشَهَرَ مسدَّسَهُ وصَوَّبَهُ نحوَ الشِّيْشَكْلِي وأَرادَ أَن يُطْلِقَ الرَّصاصَ عليهِ، ولم يَمْنَعْهُ مِن ذلكَ إِلاَّ المرحُومُ جبُّور جبُّور، صاحبُ المنزلِ، والأَعِيَانٍ الآخرُونَ الذينَ كانُوا مُتَوَاجِدِيْنَ في منزلِهِ. ويبدُو أَنَّ هذِهِ الحادثةَ زادتْ مِن نقمةِ الشِّيْشَكْلِي على الدُّرُوزِ، ولا شكَّ أَنَّ الإِهانةَ التي لَحِقَتْ بِهِ في ذلكَ الِّلقاءِ كانتْ لا تزالُ عالِقَةً في بَالِهِ ورَاسِبةً في وِجْدَانِهِ عندما قَدِمَ إِلى يِرْكا، ولا شكَّ أَيضا أَنَّها كانتْ سببًا في تَهَوُّرِهِ مَعَ جُنُودِ الجُولانِ وإِقليمِ البِلاَّنِ الذينَ كانُوا مُتَوَاجِدِيْنَ عندنا في القريةِ حينَما أَتى لِمُقابلتِهِم، ذلكَ التَّهَوُّرُ الذي كانَ سببًا في تلكَ الصَّفْعَةِ التَّاريخيَّةِ التي تَلَقَّاها عندنا في ساحةِ القريةِ، ونحنُ نقولُ أَنَّهُ رُبَّما كانَ لِتلكَ الصَّفعةِ ولِلإِهانةِ التي رافَقَتْها دَوْرٌ في مَسْلَكِهِ العِدائِيِّ الشَّائِنِ تجاهَ دُرُوزِ سُوريا فيما بعدُ.

وما دُمْنا في الحديثِ عن دَوْرِ الشِّيْشَكْلِي  في حربِ عامِ 1948، فنضيفُ ونقولُ أَنَّ هنالكَ مَنْ يَرَى أَنَّ الفَشَلَ النِّهائِيَّ لِلشِّيْشَكْلِي ولِقوَّاتِهِ في تلكَ الحربِ نتجَ عن فهمٍ خاطِئٍ مِن قِبَلِ الشِّيْشَكْلِي نفسِهِ لِدَوْرِهِ وَلِدَوْرِ قوَّاتِهِ في تلكَ الحربِ نفسِها، ونحنُ نَرَى أَنَّهُ مِنَ المُناسبِ أَن نُثبِتَ هُنا بعضَ ما تقولُهُ “الموسُوعةُ الفلسطينيَّة” في هذا الأَمرِ.

هكذا تقولُ تلكَ الموسُوعةُ: 

“الواقعُ أَنَّ قائِدَ قطعاتِ الإِنقاذِ في منطقةِ الجليلِ، المُقَدَّمَ أَديب الشِّيْشَكْلِي، كانَ يحملُ مفهومًا آخَرَ؛ فَمَهَامُّ قُوَّاتِهِ تقويةُ معنويَّاتِ الأَهْلِيْنَ في فلسطينَ، ومعرفةُ مقدرةِ القُوَّاتِ الصُّهيُونيَّةِ المُسلَّحةِ في فلسطينَ، واختبارُ موقفِ سلطاتِ الانتدابِ البريطانيِّ بِالنِّسبةِ إِلى الأَعمالِ العسكريَّةِ التي تحدُثُ بين العربِ واليهُودِ. أيْ كانَ جيشُ الإِنقاذِ في نَظَرِ الشِّيْشَكْلِي مُجَرَّدَ طليعةٍ للجُيُوشِ العربيَّةِ، ومُهِمَّتُهُ لا تتعدَّى الاستطلاعَ بالقتالِ لاختبارِ قوَّةِ العدوِّ ومساعدةِ الصَّديقِ على الصُّمُودِ حتَّى تحينَ السَّاعةُ المُناسبةُ. ورُبَّما كانَ هذا الَّلبْسُ السَّببَ الرَّئيسَ الذي جَعَلَ هذا الجيشَ يَقْصُرُ أَعمالَهُ على معارِكَ محليَّةٍ تفتقرُ إلى الهدفِ الاستراتيجيِّ، ويكتفي بأهدافٍ تكتيكيَّةٍ محدودةٍ لم تستطعْ أَنْ تُؤَثِّرَ على الوضعِ العامِّ حتَّى عندَ نجاحِهَا”.

وفي أَحدِ أَيَّامِ شهرِ أَيَّار عام 1948، قَدِمَ الشِّيْشَكْلِي إِلى يِرْكا، رُبَّما مِن مركزِ قيادَتِهِ بِبلدةِ تَرْشِيْحا، مِن أَجلِ مُقابلةِ جُنُودِ الفرقةِ العسكريَّةِ المُتَوَاجِدَةِ في القريةِ، وعندما وصلَ إِلى ساحةِ القريةِ سأَلَ عن مكانِ تواجُدِ هؤلاءِ الجُنُودِ، فأُخْبِرَ بذلكَ، فما كانَ منهُ إِلاَّ أَن وقفَ مُقابِلَ الغُرفةِ التي كانَ هؤلاءِ الجُنُودُ، الذينَ كانَ قَدْ أَسْلَفَهُمُ الإِسَاءَةَ مُنذُ عَهْدٍ قريبٍ، مُتَوَاجِدِيْنَ بِها، وصَرَخَ فيهِم بصوتِ عالٍ آمِرًا أَن ينزِلُوا كُلُّهُم حالاً لِمقابلَتِهِ، فأَجابَهُ واحِدٌ مِنهُم قائِلاً أَنَّهُم َيرفُضُونَ أَوامِرَهُ، وطلبَ منهُ أَنْ يصعدَ هو بنفسِهِ إِليهِم إِذا كانَ يُريدُ أَن يُقابِلَهُم،

فعادَ الشِّيْشَكْلِي وَصَرَخَ فيهِم آمِرًا مرَّةً أُخرى أَن يهبِطوا إِليهِ، فأَجابَهُ ذلكَ الجُنديُّ قائِلاً: “إِبْقَ في مكانِكَ، وسَوْفَ نَنْزِلُ إِليكَ ونُرِيْكَ ماذا سَوفَ نَفْعَلُ بِكَ !”، ثمَّ نزلَ عددٌ مِنَ الجُنُودِ إِلى ساحةِ القريةِ، وتقدَّمَ أَحَدُهُم، وكانَ المرحُوم الشَّيخُ أَبو طلال سُلطان كَنْج أَبو صالح مِنْ بلدةِ مجدل شمس، وكانَ، كما ذَكَرْنا، رئيسَ الفرقةِ العسكريَّةِ، نحوَ أَديبِ الشِّيْشَكْلِي، وَصَفَعَهُ صفعةً قويَّةً أَوقعَتْهُ حالاً على الأَرضِ، ثمَّ انتزَعَ منهُ مُسَدَّسَهُ وَأَرادَ أَن يقتلَهُ بِرَصَاصَاتٍ مِنهُ، ولكنَّ الحاضِرِينَ في ساحةِ القريةِ منعُوهُ مِن ذلكَ وحَمَواِ الشِّيْشَكْلِي، قائِلينَ “هذِهِ المَرَّة سَمَاح، يكفيهِ ما تَلَقَّى !”،

ولا شكَّ أَنَّ هؤلاءِ الذينَ حَمَوَا الشِّيْشَكْلِي يومَهَا ما كانُوا يدرُوْنَ ما كانَ يجُولُ في خاطِرِهِ وما كانَ يُضْمِرُ لسُوريا ولِلدُّرُوزِ، ولو كانُوا فعلاً يدرُوْنَ ذلكَ، رُبَّما كانَ للتَّاريخِ مَسَارٌ آخَرُ. ونظرًا لأَنَّ البُقْعَةَ التي وقعَ بِها الشِّيْشَكْلِي كانتْ حينَها مُوحِلَةً، فَتَلَطَّخَ مِعطفُهُ بِالوَحْلِ، فأُدْخِلَ إِلى فِناءِ بيتِ “الخَال”، وهناكَ قَدَّمُوا لهُ دَلْوًا مِنَ الماءِ وقطعةَ قِماشٍ وصابُونًا كي يُنظِّفَ مِعطَفَهُ مِنَ الوحلِ وباقي الأَوساخِ التي عَلِقَتْ بِهِ، وحَدَّثَنِي المرحُومُ الأُستاذُ سليمان علي معدِّي، وكانَ، كما ذكرْنا شاهدَ عِيَانٍ على ذلكَ الحادثِ، قائِلاً: “كانَ الشِّيْشَكْلِي يتصرَّفُ كَمَنْ فَقَدَ الوَعْيَ، وكانَ يرُوحُ ويأْتِي في فِنَاءِ بيتِنَا كالمجنُونِ، وكانَ يرتَجِفُ مِنَ الغَيظِ وَالكَيْدِ، وكانتْ تعابيرُ وجهِهِ تتأَرْجَحُ بينَ الهَلَعِ وبينَ الحِقدِ، وبينَ البُؤسِ وبينَ الضَّغِينَةِ، وسمعتُهُ يُتَمْتِمُ بصوتٍ مكبُوتٍ ومخنوقٍ يكادُ لا يُسْمَعُ، ويقولُ: “بيجِيكُوا يُوم يا درُوز !”.

soltan-knj0033

وقدْ حَلَّ فعلاً ذلكَ اليومُ الذي انتظَرَهُ الشِّيْشَكْلِي وَتَمَنَّاهُ، وحُلُوْلُهُ كانَ رُبَّما أَسرعَ مِمَّا قَدَّرَ وتَوَقَّعَ، فَبَعْدَ أَنِ وَضَعَتِ الحربُ أَوْزارَها وعادَ الشِّيْشَكْلِي إِلى سُوريا، اشتركَ في سلسلةٍ مِنَ الانقلاباتِ العسكريَّة أَوصَلَتْهُ في نهايةِ الأَمرِ، وخلالَ مُدَّةِ قصيرةٍ،  إِلى رئاسةِ الجُمهوريَّةِ السَّوريَّةِ،

فَاستغَلَّ منصبَهُ الجديدَ وانتقمَ بِكُلِّ ما أُوْتِيَ مِنْ كَيْدٍ وحِقْدٍ وعُنْفٍ مِنَ الدُّرُوز. في بدايةِ الأَمرِ اشتركَ الشِّيْشَكْلِي مَعَ حُسنِي الزَّعيمِ بتاريخِ 29.3.1949 في أَوَّلِ انقلابٍ عسكريٍّ في تاريخِ تلكَ البلادِ وفي تاريخِ الدُّولِ العربيَّةِ كُلِّها، ثُمَّ مَعَ سامي الحِنَّاوِي في الانقلابِ الثَّاني بتاريخِ 14.8.1959، ثُمَّ مَعَ هاشمِ الأَتَاسِي في الانقلابِ الثَّالثِ بتاريخِ 19.12.1949، ثُمَّ كانَ مُهَنْدِسَ الانقلابِ الرَّابعِ بتاريخِ 28.11.1951، وبعدَ هذا الانقلابِ حَكَمَ البلادَ أَوَّلاً حُكْمًا مُؤقَّتًا لِيَوْمَيْنِ وَحِيْدَيْنِ، بينَ التَّارِيخَيْنِ 2.1.1951 و 3.1.1951، ثُمَّ حَكَمَهَا حُكْمًا مُطلَقًا لِمُدَّةِ ثمانِيَةِ أَشهُرٍ تقريبًا بينَ التَّارِيخَيْنِ 11.7.1953 و 25.2.1954، وخلالَ هذِهِ الفترةِ قَبَضَ الشِّيْشَكْلِي على زِمَامَ الأُمورِ كُلِّيًّا في سُوريا، فَفَرَضَ أَنظِمَتَهُ الدِّكتاتُورِيَّةَ، ونَشَرَ أَحْكَامَهُ التَّعَسُّفِيَّةَ، وأَلْغَى الأَحزابَ السِّياسيَّةَ، وكَبَتَ الحُرِّيَّاتِ الشَّخْصِيَّةَ، وضايَقَ الأَهْلِيْنَ، وأَبْعَدَ حَتَّى المُقَرَّبِيْنَ، وأَفْرَطَ في الاعْتِقالاتُ، وفَرَضَ رَقَابَةً صارِمَةً على الصَّحافةِ والمطبُوعاتِ، فكَثُرَتْ في سُوريا المُظاهَرَاتُ، وَعَمَّتِ الاحتِجاجاتُ، وتَفَشَّتِ الإِضراباتُ.

ولكنَّ الشِّيْشَكْلِي لم يَكُنْ يدرِي، لا عندَما حَلَّ ذلكَ اليومُ الذي كانَ يَتَرَقَّبُهُ ويَتَمَنَّاهُ وانتقمَ فيهِ مِنَ الدُّرُوز، ولا قبلَ حُلُوْلِهِ، عندمَا تَفَوَّهَ بِتلكَ الكلماتِ البائِسَةِ في يِرْكا، ورُبَّما أَيضًا حتَّى لا في أَسْوَإِ أَحلامِهِ، أَنَّ حُلُوْلَ ذلكَ اليومِ الذي طالَمَا تَاقَتْ نفسُهُ إِليْهِ سوفَ يكونُ سَبَبًا في حُلُوْلِ أَيَّامٍ كثيرةٍ أُخرَى كُتِبَ عليها أَن تكُونَ أَيَّامًا كارِثِيَّةً بالنِّسبةِ لَهُ نفسِهِ، أَوَّلُها كانَ يومَ ثارَتْ سُوريا ضِدَّهُ وَانْقْلَبَتَ عليْهِ، وآخِرُها وأَقْسَاهَا عليْهِ كانَ يومَ قَتَلَهُ المرحُومُ نَوَّاف غَزالة في البرازيل، انتقامًا على الجَرائِمِ التي ارتَكَبَها بِحقِّ الدُّرُوز،

فَالشِّيْشَكْلِي، وهوَ صاحِبُ القولِ المَذْمُوْمِ: “أَعدائِي كَالأَفْعَى، رأْسُهَا في الجبلِ (أَي جبلُ الدُّرُوزِ)، وبطنُها في حِمْصٍ، وهي تَمْتَدُّ إِلى حَلَب”، وَإِستِنادًا إِلى ذلكَ القَوْلِ الفاسِدِ وَعَمَلاً بِهِ، اعتدَى على جبلِ الدُّرُوزِ الأَعْزَلِ وَقَصَفَهُ بالطَّائِراتِ والمُدَرَّعاتِ، وبِالمَدَافِعِ والرَّشَّاشَاتِ، وقُتِلَ مِنْ سكَّانِهِ حوالي 300 نفرٍ، واعْتَقَلَ مَنْصُوراً ونَاصِرًا نَجْلَيْ سلطانُ باشا الأطرش،

وعندما أَفْرَجَ عن مَنْصُورٍ في مُحاولةِ فاشِلَةٍ مِنْ طَرَفَهِ لاسترضاءِ الباشا والتَّقَرُّبِ مِنهُ، قالَ سلطانٌ جُملَتَهُ المَأْثُورَةَ والبلِيغةَ: “المطلُوبُ مِنَ الشِّيْشَكْلِي ليسَ الإِفْراجُ عن مَنْصُورٍ، وإِنَّما الإِفْراجُ عنْ سُوريا”. أَمَّا الباشا نفسُهُ، رمزُ التَّضحيةِ والحُرِّيَّةِ والاستقلالِ في سُوريا، وأَحدُ كِبارِ وأَوائِلِ الدَّاعِيْنَ إِلى التَّحَرُّرِ مِنَ الحُكْمِ الأَجنبيِّ في العالَمِ العربيِّ، ومِنْ أَبْسَلِ المُناضِلِينَ مِنْ أَجلِ ذلكَ الهدفِ، فَنَزَحَ مُؤقَّتًا إِلى الأُردنِّ، ولم يرجعِ إِلى الجبلِ إِلاَّ بعدَ طَرْدِ الشِّيْشَكْلِي نهائِيًّا مِنْ سُوريا، بتاريخِ 25.2.1954. في ذلكَ التَّاريخِ خُلِعَ الشِّيْشَكْلِي وهَرَبَ إِلى لُبنانَ، ولكنَّ مُكُوثَهُ بِلُبنان كانَ قصيرًا، لأَنَّ المرحُومَ كمال جُنبلاط تَهَدَّدَهُ بِالقتلِ إِذا بقيَ هناكَ، فَهَرَبَ مِنْ لُبنانَ سريعًا إِلى السُّعُوديَّةِ، ومِنْ السُّعُوديَّةِ هَرَبَ إِلى فرنسا، ومِنها إِلى البرازيلِ، وهناكَ عاشَ في التَّكَتُّمِ والخَفَاءِ، ولكنَّ ذلكَ لَمْ يُجْدِهِ نفعًا، ففي تلكَ البلادِ، وكما يشهدُ التَّاريخِ، قتلَهَ المرحُوم نَوَّاف غزالة بتاريخِ 27.9.1964، انتِقامًا على غَدْرِهِ بِالدّرُوزِ.

chichakly

هوامش:

(1)  معركة مشمار هعيمق هي معركة دامت عشرة أيام من 4 إلى 15 أبريل 1948 بين جيش الإنقاذ العربي (لواء اليرموك) بقيادة فوزي القاوقجي والهاغانا (البلماح وحيش) بقيادة إسحاق ساده. بدأت المعركة عندما شن فوزي القاوقجي هجوماً على مشمار هعيمق بقصد السيطرة على الكيبوتس، الذي كان يتموضع استراتيجياً على جانب الطريق الرئيسي بين جنين وحيفا. في عام 1947، كان عدد سكانه 550 نسمة. مشمار هعيمق وتعني: حرس الوادي، هو كيبوتس يقع شمالي إسرائيل، وتحديدًا غربي مرج ابن عامر. يتبع الكيبوتس لإدارة مجلس مجيدو الإقليمي. مشمار هعيمق هو واحدٌ من الكيبوتسات القليلة التي لم تخضع للخصخصة وما زال يتبع النموذج الجماعي والاشتراكي التقليدي. في عام 2017 بلغ عدد سكانه نحو 1,254 نسمة.تأسس الكيبوتس في عام 1926 على يد أفراد حركة “هشومير هتسعير” وتعني: (الحارس الشاب)، الذين انتقلوا إلى فلسطين الانتدابية خلال الهجرة اليهودية الثالثة من بولندا.

 

عن astarr net

شاهد أيضاً

TORBINOT

أبناء الجولان المحتل للحكومة الإسرائيلية: لن نسمح المس بأراضينا واولادنا ومجتمعنا

أبناء الجولان المحتل للحكومة الإسرائيلية: لن نسمح المس بأراضينا، واولادنا،  ومجتمعنا عشتار نيوز للإعلام / …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: النسخ ممنوع !!