الثلاثاء , يونيو 2 2020
الرئيسية / مقالات الرأي / النتنياهية الكورونية والفيروسات السياسية
samih knadri

النتنياهية الكورونية والفيروسات السياسية

النتنياهية الكورونية والفيروسات السياسية

سميح غنادري

جنّبنا الله وحمانا من شر الفيروسيْن/الجرثوميْن: النتنياهيّة والكورونية. والأصح ألّا نعتمد على الله لتخليصنا من الأمرّيْن، متهمين إياه وكأنه هو الذي أصابنا بهما. فما من فيروس أصاب البشرية إلا وكان من صنع البشر. وما من وباء أودى بحياة الإنسان وبنقاء الطبيعة بأرضها وثمارها وهوائها وأوزونها وسماءها أكثر مما فعله الإنسان بذاته وبها. سمّمنا الأرض بيابستها وماءها وأثديتها التي نرضع منها وحضنها الذي نتدفأ ونحتمي به، واتهمناها هي والله تعالى بأنهما يسمّمانا.

* يكفي أن نذكر ما فعلته الحروب بالبشرية وبالطبيعة. تذكّروا على الأقل الحربيْن العالميتين الأولى والثانية والفاشية والنازية والأسلحة الكيماوية والبيولوجية والقنبلة النووية، وجرائم الأنظمة والحركات التوتاليتارية والديكتاتورية اليمينية والرجعية والأصولية والعنصرية والأبرتهادية. وحتى تلك التي ادعت أنّها تمثل العاملين والمسحوقين: الستالينية في الإتحاد السوفييتي والماوية في الصين وقادة كوريا الشمالية وألبانيا وغيرهم، بمن فيها الأنظمة والحركات التي تتمنطق بأحزمة ناسفة وتتزنّر بقنابل متفجرة وتنسف وتفجّر معاً الإنسان والدين باسم الأصولية الدينية. أعوذ بالله من الشيطان الرجيم.

* مسعى الإنسان لتوفير مقوّمات حياته واللوغوستيكا/ الإمدادات والأدوات لتحقيقها سعيٌ وجودي ما من ضمان لا للحياة الإنسانية ولا للعيش الكريم بدونه. أقصد صراعه الدائم لضمان الطعام والشراب واللباس والمسكن والتعليم والعمل والخدمات الصحية والإجتماعية والثقافية. لكن لاحظوا الذي يحدث في دول العالم العظمى والغنية: الرأسمالية الخنزيرية وعبادة الربح والإستهلاك الجنوني الذاتي ولثروات الطبيعة أصبح هو “الإله” الموجّه. هو القيَم، هو التوراة والإنجيل والقرآن. هو قدس الأقداس.

* يزداد الإنتاج إلى حد الفائض وفائض الفائض، وتحرق الشركات الإحتكارية الكبرى فائض فائضها من المنتوجات حتى لا ينخفض سعرها إذا ما أنزلتها للأسواق. وتتكاثر وتتراكم ميزانيات الدول وثروات حفنة تملك الدولة ووسائل إنتاجاتها ومنتوجاتها… ويزداد ويتراكم الفقر بالمقابل. ويفتقر ملايين الملايين حتى في الدولة الغنية للمقوّمات المعيشية الأولية. غزارة في الإنتاج وسوء في التوزيع. شبّه الكاتب الإيرلندي برنادر هذه الحالة برأسه الأصلع الخالي من الشعر بينما ذقنه غزيرة الشعر.

* اعتدنا القول بعد أن اخترق السوق قارات وبلدان العالم، وبعد ما رافقه وتبعه من وسائل تواصل قرّبت المسافات – (طائرات وهواتف وأقمار اصطناعية وإذاعة وتلفزيون وحواسيب…الخ) – أن العالم أصبح قرية واحدة. عتقَ وشاخ وماتَ هذا القول الآن. أصبح العالم هو بيتي وغرفتي، بل هو الآيفون في يدي. يعطس إنسان في الصين فيُصاب بالفيروس الملايين في عموم القارات، بل وفي أقصى وأصغر قراها.

* متى يعي الإنسان كونه أولاً وأخيراً إنساناً بغض النظر عن قوميته وإثنيته ودينه وقبيلته وعائلته وذكوريته وأنوثيته؟ ومتى يعي أن كل شيء وكل كائن في تناقض ووحدة في الوقت نفسه، وما من أمر ثابت إلا… الحركة، حركة نشوء الجديد وموات القديم.

* أجوبة الأمس لا تصلح لأن تكون ردّاً على أسئلة الحاضر والتساؤل هو المفتاح لباب المعرفة. وعالمنا العملاق مكوْرَن قبل أن يصيبه ويهزمه فيروس الكورونا الميكروسكوبي. وما من شك بأنه عاجلاً أم آجلاً سيكشف العقل البشري تطعيماً وقائياً من الكورونا. ولكن ما من شك أيضاً أن فيروساً آخر سيظهر. عالمنا مريض وموبوء، والمريض الموبوء لا يعالج نفسه ولا الآخرين.

الفيروس النتنياهوي

إسرائيل دولة صغيرة بمساحتها الجغرافية وبعدد سكانها. لكنها تكاد تكون دولة عظمى بإنتاجها الإقتصادي وبمعرفتها العلمية واختراعاتها، وبأقمارها الإصطناعية والهايتك والنينو تكنولوجيا، وبجيشها ومخابراتها وبقنابلها الذرية وبالصناعة العسكرية، وحتى بشبكات التأمين الصحي والتأمين الإجتماعي. وهي ليست الدولة الأولى التي أصابها فيروس الكورونا، أي توفّرت لديها تجربة دول عديدة أخرى بالإمكان التعلم منها. لكن نتنياهو لا يتعلم. هو يعتقد أنه خُلِق ليعلّم وليقد وليتسلط.

“فقط نتنياهو يستطيع” – هذا هو الشعار الإنتخابي لنتنياهو في حملاته الانتخابية الثلاث السابقة. ووفقه تصرّف في الحملة لمواجهة الكورونا. مَنْ “هزم” قيادات عربية مهزومة أصلاً، وهزم المواطنين اليهود في رأسماليته الخنزيرية ظن أن بإمكانه أن يهزم الكورونا.  “نتنياهو ملك إسرائيل حيّ وقيّوم” هتف الرعاع. هو لم يفعل حتى بعد مرور أشهر على تفشي الوباء في إسرائيل ما فعله كل رؤساء الدول التي أصابها الفيروس. لم يُقِم لجنة وزارية خاصة وبمشاركة علماء وأخصائيين خبراء في مختلف المجالات ذات الصلة بالموضوع، ولم يبلور وإياهم حتى خطة علمية وبرنامجاً مدروساً ومحدداً لمعالجة الوباء.

حسناً أردت أن تكون ملك الكورونا… استعد إذاً للمثول أمام “محكمة”/محاسبة لجنة التحقيق التي ستحاسبك على أخطائك وخطاياك في مواجهة الكورونا. ها قد أضيفت إلى التهم الجنائية الثلاث بحقك، الفساد وخيانة الأمانة والإحتيال، تهمة رابعة هي التقصير والأخطاء في معالجتك للكورونا.

طلّ علينا نتنياهو يومياً تقريباً في بياناته عن بطولته في مصارعة الكورونا. يلقّن ويلقّن ويلقّن ولا يسمح بطرح الأسئلة ولا بإجراء المقابلات معه. هو وحده القائد الحاكم، قبطان السفينة والطيار الوحيد في مقصورة الطائرة. هو الوزارة والوزارة هو. هو العالِم والطبيب والناطق بلسان. علّمنا كيف يجب أن نسعل ونمخط ونسلّم على بعض ونغسل أيادينا. ولم يبخل حتى في تلقيننا نحن أطفال الحضانة دروساً في الحساب وأن 2*2=4. و4*4=16. ويثرثر ويثرثر. ولا نفهم ما الذي قرّره ويعجز الخبراء حتى عن تفسيره. ولا يهمه هذا الأمر لأنه في اليوم التالي لإطلالاته الكورونية سيغيّر ما ثرثر به في الأمس.

ظننته للحظة أنه كاتب وفنان سوريالي. ثمّ تخليت عن ظني. الفنان السوريالي يلجأ إلى اللامعقول قاصداً نقد لا معقولية الواقع القائم الموجود. نتنياهو يفعل العكس – هو يتنكر للواقع الموجود ويطرح حلولاً غير معقولة. إصطدمت سفينة التيتانك بجليد الأنا وواصل العازف معزوفته. روما تحترق ونيرون يشرف عليها عازفاً بنايه. الملك الحي القيوم يسير عارياً وما من أحد في وزارته وحزبه يطالبه بأن يرتدي ثيابه ولا يعرّيها. وما من نور يومض في آخر كهف أفلاطون. آسف أقصد في نفق النتنياهُية الكورونية.

انكشفت العورة النتنياهية من قُبل ودُبر. وواصل الممثل تمثيله. ويشيد أتباعه بسحره. حقاً هو ساحر، ولكن من هو الساحر؟ هو من يخلق على خشبة “السيرك” واقعاً خيالياً… مثلا هو يقطّع الجسم الحي ويعيد إحيائه، ويخرج الأرانب من جيبه، ويداعب الأسد المفترس. وينسحر الجمهور المشاهد الذي أتى إلى السيرك من باب التسلية والترفيه عن النفس. نتنياهو ساحر كذاب. ونحن الناس لسنا مشاهدي سيرك، وإنما ضحايا الوبائين: الكورونا والنتنياهية.

لا يوجد ولا رئيس دولة في العالم ظهر في وسائل الإعلام يومياً ونطق بما يتقيأ به نتنياهو يومياً تقريباً. ويوجد مسؤولون حكوميون في العالم استقالوا و/أو انتحروا لعجزهم عن مواجهة الكورونا ومنع استفحاله. لا نطالب نتنياهو بالإنتحار، نطالبه بأن يكف عن نحرنا. ولا نتهمه بأنه سبّب الكورونا، ولكن نعم ندينه بأنه استغل الكورونا واستخدمها للبقاء في الحكم وللهروب من الملفات القضائية ضده، ولإخناع غانتس ولتفسيخ قائمة أزرق أبيض، لضمان هيمنته السلطوية.

مَنْ الأسوأ، الكورونا أم النتنياهية؟ معيب هذا السؤال وهذه المقارنة. لكن لفت نظري أنا المواطن العربي في إسرائيل التي سلبتني الوطن وحق المواطنة المتساوية، أن الكورونا ليست عنصرية ولا تميز لا قومياً ولا دينياً ولا جنسياً، ولا تلتزم لا بقانون القومية ولا بيهودية الدولة. هذا رغم أن معالجة حكومة نتنياهو للحد من تفشيها بين المواطنين العرب تنضح بالعنصرية وبالإهمال.

مسك الختام

أحني رأسي إجلالاً لجوامعنا ولكنائسنا ولرجال الدين العرب الذين تصرفوا بكامل المسؤولية بإغلاقهم للجوامع وللكنائس. وأحنيه تقديراً وتشكراً للأطباء والممرضين العرب الذين أبدعوا في خدماتهم الطبية. وطوبى لك يا شعبي على مبادراتك الخدماتية والرعوية في قرانا ومدننا لدعم ومساعدة المحتاجين وكبار السن. وحبّذا لو نواصل هذا التكافل الإجتماعي بعد القضاء على الكورونا.

وأخيراً وفّرت لي الكورنا وقتاً للفراغ، فوجدت ذاتي أعود إلى عشقي الأول – قراءة الأدب الذي أشغلتني عنه اهتماماتي السياسية. دخلتُ مكتبتي فوقعت عيناي بين مئات كتبها على أدب الأساطير الإغريقية اليونانية وعلى “الشاهنماه” الفارسية وعلى ألف ليلة وليلة، وعلى “دون كيشوت” سيرفانتس، وعلى “الحب في زمن الكوليرا” و”ليس لدى الكولونيل من يكاتبه” لغارسيا ماركيز، وعلى “متشائل” إميل حبيبي وثلاثية إبراهيم نصر الله…

لماذا اخترت هذه الكتب بالذات وعدتُ لتصفحها؟ اقرأوها ستعرفون.

(SAMIH.GHA@GMAIL.COM)

سميح غنادري هو كاتب من مواليد قرية الرامة عام 1950، أنهى دراسته للقب الثاني في جامعة ليننغراد في روسيا في موضوعي الصحافة والأدب العالمي في الفلسفة. عمل مطولا في المعترك السياسي الجماهيري والحزبي، وكتب مقالات عدة واحترف العمل التثقيفي والتنظيمي.

عن astarr net

شاهد أيضاً

mona-abu-jable01

ماذا فعلت لنا الكورونا ؟

ماذا فعلت لنا  الكورونا ؟ عشتار نيوز للاعلام/ مقالات الرأي بقلم: منى أبو جبل * …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: النسخ ممنوع !!