الثلاثاء , أغسطس 11 2020
الرئيسية / قضايا وتقارير / الانتخابات في الجولان المحتل والطريق الثالث
44293502_974965192707692_6956520905417687040_n

الانتخابات في الجولان المحتل والطريق الثالث

الانتخابات في الجولان المحتل والطريق الثالث

تحقيقات وتقارير سياسية/ نُشر في جيرون

سميح الصفدي   21 تشرين الأول / أكتوبر، 2018

تُطرح الأمور حتى الآن في قضية انتخابات المجالس المحلية في الجولان المحتل، بمنطق الأبيض والأسود، مع أو ضد، وإن تضمنت إلى حد بعيد لغة هادئة ومتعقلة.

الدعوة إلى الحوار، التي أطلقتها اجتماعات الحراك الشبابي المناهض للانتخابات، يجب أن تستنفد إلى آخرها، بالشكل الأكثر إيجابية، حتى نصل إلى أرضية معقولة نقف عليها من جديد، ضمن حالة الضياع المبهمة التي نتخبط فيها في السنوات الأخيرة.

لا أجد نفسي قادرًا على استساغة سهولة الرفض لـ “عملية ديمقراطية” مفترضة، وذلك على الرغم من وجاهة الاعتراضات والانتقادات الكثيرة ضدها، وأعتقد أن المسألة يجب أن تذهب أعمق من إشكالية الانتخابات الراهنة، باتجاه صياغة ثوابت جديدة تجمع عليها الأغلبية، على غرار الوثيقة الوطنية الشهيرة التي صيغت مع بداية الإضراب الكبير عام 1982.

إن مراجعة متأنية للبنود التسعة التي تألفت منها الوثيقة الوطنية لأهالي الجولان سوف تنير لنا الدرب لصياغة ثوابت جديدة من رحم هذه الوثيقة، مع الأخذ بالحسبان المتغيرات الاجتماعية والثقافية والاقتصادية والسياسية التي مر بها مجتمعنا، خلال العقود الأربعة التي انقضت منذ ذلك الحين، التي تستوجب تغييرات على مستوى الأيديولوجيا المرجعية والقواعد العامة الموجهة للحالة الوطنية في الجولان.

وبالطبع، فإن هذه المراجعة تحتاج إلى مساهمات وحوارات على المستوى العام، وأنا لا أُقدّم هنا سوى وجهة نظر شخصية قابلة للنقد والاعتراض، وقد لا تعجب الكثيرين، لكني أظن أن باب الاجتهاد في هذا المجال مفتوح، ويجب أن يكون مفتوحًا أمام الجميع.

حول الوثيقة الوطنية

يستطيع أي مهتم أن يراجع الوثيقة المذكورة، وسوف يجدها معلقة على العديد من الحوائط في بعض البيوت والمؤسسات، كما يمكن مراجعتها مباشرة على هذا الرابط:

http://www.jawlan.org/openions/declaration.htm

يعتقد البعض أن هذه الوثيقة قد تجاوزها الزمن، إلا أن التمعن في بنودها بعقلية واقعية يظهر أن جانبًا أساسًا منها ما زال راهنًا وصالحًا للعمل حتى اليوم، ويمكن تلخيصه في المبادئ العملية (السلوكية) التالية:

رفض الجنسية الإسرائيلية

رفض التجنيد بكافة أشكاله (مدنية وعسكرية)

الحفاظ على الأرض وعدم بيعها أو التنازل عنها للمحتل، وبالرغم من أن البند رقم (2) الذي يخص التجنيد لم تتضمنه الوثيقة صراحة إلا أنه ظل المبدأ الأكثر حضورًا في أذهان الناس منذ تلك الفترة، وعلى الأرجح أن من صاغ الوثيقة آنذاك اعتبر هذا المبدأ متضمن في بند رفض الجنسية.

في ما يخص الموقف من المجالس المحلية، نصّت الوثيقة في بندها الخامس على ما يلي:

“لا نعترف بشرعية المجالس المحلية والمذهبية، لكونها عُيّنت من قبل الحكم العسكري الإسرائيلي وتتلقى تعليماتها منه، ورؤساء وأعضاء هذه المجالس لا يمثلوننا بأي حال من الأحوال”.

ينطوي هذا البند -كما هو واضح- على مقدمات منطقية سهلة، تؤدي إلى نتائج بديهية وواضحة: عدم الاعتراف بشرعية المجالس المحلية، وذلك كونها بالضبط “معيّنة” من قبل سلطات الاحتلال، و”تتلقى تعليماتها منه”.

اليوم تطرح علينا هذه الإشكالية من جديد، ولكن بشكل أكثر تعقيدًا، مجالس “منتخبة” وليست معينة؛ فهل يجوز أن ننتخب؟! وهل ستكون عندئذ تلك المجالس شرعية وتمثيلية؟

المؤيدون لهذه الانتخابات يتسلحون بمظهر براغماتي، يستجيب برأيهم لحاجات الناس الحياتية، ويتوافق مع مبادئ الثقافة الديمقراطية وتطبيقاتها الإجرائية، إلا أنهم يتجاهلون، ضمن حالة من الرضا والتسليم السلبي، مبدأ المساواة الأساسي في هذه العملية، حيث يستثني قانون الترشح للانتخابات 88 بالمئة من السكان الذين لم يرتضوا حمل الجنسية الإسرائيلية، كما أنهم يضربون صفحًا تامًا عن سؤال الانتماء والهوية.

المعارضون للانتخابات في المقابل يحاولون التمسك بهوية وطنية، باتت تتفلت من أيدينا، عبر مقاومة الاندماج في اللعبة السياسية الإسرائيلية، ومحاولة الحفاظ على وضع راهن “غير معرف” كما الجنسية، ضمن حالة مفتوحة على المجهول، في ظل الأحداث الكبرى التي تعصف بالوطن الأم سورية.

لكن ما يعرفه الرافضون للانتخابات جيدًا أنهم قد خسروا في السنوات الأخيرة جولات عدة، في خضم عملية الأسرلة المستمرة، ونعرف جميعًا أن من المرجح أن تقوم وتستمر هذه الانتخابات، ولو بإقبال محدود، وقد يتزايد هذا الإقبال دورة بعد دورة، وتتزايد معه أعداد حملة الجنسية الإسرائيلية وكذلك مشروعية الانتخابات والسلطات المحلية عمومًا.

يبدو أن ما يجري عمليًا على الساحة الوطنية، المنقسمة واليائسة، هو نوع من القيام بالواجب أو تسجيل الموقف، أن نعمل ما علينا وليكن ما يكون. وتلتقي في هذا التوجه تيارات عدة، سواء تلك التي تعمل بنيّات حسنة ودوافع وطنية صادقة، أو تلك التي تأتمر بأوامر من دمشق، أو تلك التي تنفذ مهمات روتينية مؤسساتية.

الواضح حتى الآن أن أيًا من هذه الجهات، وكذلك الجهات المنخرطة في موضوع الانتخابات، وتسعى لإنجاحه، لا ترغب في التفكير باحتمالات أخرى قد تشكل طريقًا ثالثًا.

هل ثمة طريق ثالث؟

طريق ثالث لم يتبلور بعد على الرغم من أنه لسان حال الكثيرين من المحتجين على الانتخابات. قد يبدو طرح الأمر مثارًا للسخرية عند البعض، وقد يبدو بعيد المنال عند بعض آخر، وهو غير مرغوب عند أطراف معينة، ومرفوض تمامًا عند أخرى، إلا أنه يبقى مادة للتفكير، وهو برسم المرشحين الذين ارتضوا لأنفسهم “الامتياز” من سائر أبناء المجتمع.

لقد تابع الناس سيلًا من البرامج الانتخابية على صفحات التواصل، كان سيكون ملفتًا حقًا، لو وجدنا بين هذه البرامج بندًا جريئًا، يتخطى التبعية العمياء للسادة المحتلين، ويتحدى قانون الجنسية، ويعلن على الملأ أنه سيكرس جهدًا وأموالًا وتعاونًا مع جهات قانونية محلية ودولية، في سبيل إحقاق المساواة واستثناء الجولانيين من شرط حمل الجنسية الإسرائيلية اللازم للترشح…! إن إعلانًا كهذا من مرشح مستقل ربما يشكل نقلة نوعية، من ولاء المرشح للسلطة إلى ولائه للناس وللناخبين المحتملين.

نعلم أن هناك العديد من المرشحين ومن حاملي الجنسية الذين يفخرون بولائهم لـ “الدولة”، وهم بعيدون عن مطلب كهذا، بل إن بعض المرشحين يخوض الانتخابات ضمن قوائم أحزاب صهيونية، لكننا سمعنا من جهة أخرى كثيرًا من الاعتذارات وإعلانات الندم، من مجنسين قدماء، قد يشكل هذا التحدي اختبارًا لولائهم الحقيقي.

الهدف صعب.. نعم، إلا أنه يستحق المحاولة، فضلًا عن كونه مفتاحًا للاقتراب من المساواة، إنه ينقل قضية الانتخابات برمتها إلى مستوى آخر، إلى مستوى نضالي يعبّر عن مجتمع يسعى لتأكيد هويته، وهو من الممكن أن يفتح الطريق للانتقال، من سياق أسرلة متسارع إلى سياق وطني ذي معنى. ولنا في تجارب أهلنا في الداخل الفلسطيني دليل لا يستهان به، فما يفترض بالانتخابات، أولًا وأخيرًا، أن تحققه هو أن تنقل النخبة المنتخبة من موقع الممثل لمصالح الدولة المحتلة إلى موقع الممثل لمصالح الناخبين.

لا شك أن هناك الكثير من الوجاهة في الاعتقاد السائد باستحالة هذا التوجه، أو هذا “الاستثناء”، وصعوبة الموافقة عليه إسرائيليًا، لكنه سيكون مقدمة صراعية جيدة ووجيهة مع الاحتلال وممثليه، سواء تحقق المطلب أم لم يتحقق. ولنتذكر أنه وفقًا للسيستم الإسرائيلي، حالة اللا انتخاب أي “التعيين” التي كانت سائدة عندنا حتى اليوم هي حالة “استثناء” استمرت طويلًا، بسبب اعتراف ضمني لدى السلطات الإسرائيلية بـ “لا إسرائيلية” الجولان وأهله.

والحالة المقترحة على الناس حتى الآن هي حالة أسرلة واضحة، بناءً على “استثناء” إسرائيلي جديد أيضًا، وهذا الاستثناء يعبّر عن نفسه بمنتهى الفجاجة، لأنه يُسقط تلقائيًا و”قانونيًا” حقّ الترشح عن 88 بالمئة من سكان الجولان الأصليين.

طالما أننا أمام سلسلة من الاستثناءات الإسرائيلية “القانونية” أو على الأصح “غير القانونية”، ألا يمكن التفكير بـ “استثناء” ثالث جديد، بناء على الاستثناءات السابقة؟! وبالتالي حمل الحكومة الإسرائيلية على الاعتراف مجددًا بـ “لا إسرائيلية” الجولان، وفتح الباب للسعي من أجل تمثيل حقيقي لمصالح الناس على أسس أكثر واقعية.

هل من المبالغة القول إن هذا الهدف قد يصلح لأن يكون هدفًا سياسيًا، يعيد للسياسة المحلية معناها ويفتح بابا جديدًا لنموها، وفي الوقت نفسه يقفل الباب دون دخول الأحزاب الإسرائيلية إلى الساحة المحلية.

هذا -برأيي- قد يكون مدخلًا ملائمًا لبث الروح من جديد في ثوابت وطنية، يجب أن تكون متجددة في مواجهة حالة من السيولة لا يستطيع إنكارها أحد، مع التأكيد أن التمثيل في المجالس المنتخبة (بعد إلغاء شرط الجنسية وبناء عليه) يجب أن يقتصر على التمثيل المصلحي والخدمي، وألا يتعمشق على موضوع التمثيل السياسي والاجتماعي الذي يجب أن يبقى شعبيًا وبعيدًا عن مؤسسات الاحتلال.

وهكذا، بعد التعاهد على مقاطعة الانتخابات حتى إلغاء شرط الجنسية عن المرشحين، يمكن إضافة بنود جديدة إلى الثوابت الوطنية المقترحة أعلاه، ومن الممكن اعتبارها ثوابت واقعية يستطيع المجتمع أن يكون حاملًا لها إلى حد بعيد:

رفض الجنسية الإسرائيلية

رفض التجنيد بكافة أشكاله (مدنية وعسكرية)

الحفاظ على الأرض وعدم بيعها أو التنازل عنها للمحتل

المجالس المحلية المنتخبة مؤسسات خدمية، وظيفتها رعاية مصالح الناس، وهي مطالبة بتأمين البنية التحتية اللائقة للعيش وتسيير الشؤون الخدمية بأفضل كفاءة ممكنة، وليس لها من قريب أو بعيد أن تتدخل بالشؤون السياسية والقرارات العامة أو أن تكون ناطقًا سياسيًا باسم المجتمع المحلي.

لا للترشح ضمن قوائم أحزاب إسرائيلية.

بالطبع، هذه البنود المقترحة يمكن أن تُعدّل بالشكل الملائم والمقبول على الرأي العام، ومثلما التزم المجتمع بنودَ الوثيقة الوطنية عشرات السنين، يمكنه الاتفاق مجددًا على بنود جديدة ملائمة للمرحلة.

 

عن astarr net

شاهد أيضاً

15-07

الجولان السوري.. أرض مسلوبة وتهجير ديمغرافي

سينما الاحتلالِ الإسرائيلي تعودُ بالذاكرةِ إلى عملياتِ تهجيٍر طالت سكانَ الجولان على مرِّ سنين   …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: النسخ ممنوع !!